فهرس الكتاب
يُرْجِعْهُمَا حَتَّى قَالَتِ السَّمَاءُ فَأَظَلَّتْ ثُمَّ سَكَبَتْ فَمَلَئُوا مَا مَعَهُمْ،ثُمَّ ذَهَبْنَا نَنْظُرُ فَلَمْ نَجِدْهَا جَاوَزَتِ الْعَسْكَرَ" [1] ."
وقال ابن جرير في قوله: «لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ» - أي من النفقة والظهر والزاد والماء - «مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ» - أي عن الحق،ويشك في دين الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويرتاب للذي نالهم من المشقة والشدة في سفرهم وغزوهم - «ثم تاب عليهم» يقول:ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم والرجوع إلى الثبات على دينه «إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» [2] ..
ولعل هذا الاستعراض أن يصور لنا اليوم كيف كانت «العسرة» كما ينقل لنا لمحة من الجو الذي عاشه المجتمع المسلم في تلك الفترة يتجلى فيها تفاوت المقامات الإيمانية من اليقين الجاد عند طائفة.إلى الزلزلة والأرجحة تحت مطارق العسرة عند طائفة.إلى القعود والتخلف - بغير ريبة - عند طائفة.إلى النفاق الناعم عند طائفة.إلى النفاق الفاجر عند طائفة.إلى النفاق المتآمر عند طائفة ..مما يشي أولا بالحالة العامة للتركيب العضوي للمجتمع في هذه الفترة ويشي ثانيا بمشقة الغزوة - في مواجهة الروم ومع العسرة - هذه المشقة الممحصة.الممتحنة الكاشفة والتي لعل اللّه سبحانه قد قدرها من أجل التمحيص والكشف والتمييز.
هذه هي العسرة التي تخلف فيها المتخلفون وكثرتهم من المنافقين الذين سلف بيان أمرهم.ومن المؤمنين الذين لم يقعدوا شكا ولا نفاقا،إنما قعدوا كسلا واسترواحا للظلال في المدينة.وهؤلاء جماعتان جماعة قضي في أمرهم من قبل،وهم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا،واعترفوا بذنوبهم،وجماعة أخرى: «مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ» وهم هؤلاء الثلاثة الذين خلفوا،أي تركوا بلا حكم.وأرجئوا حتى يحكم اللّه فيهم.وهنا تفصيل أمرهم بعد الإرجاء في الحكم والإرجاء في السياق ..
وقبل أن نقول نحن عن هؤلاء شيئا في تفسير النص المصور لحالهم وقبل أن نعرض الصورة الفنية المعجزة التي رسمها التعبير لهم ولحالهم،ندع أحدهم يتحدث عما كان ..هو كعب بن مالك - رضي اللّه عنه:فعَنِ الزُّهْرِيِّ،قَالَ:أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ،عَنْ أَبِيهِ،قَالَ:لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا،حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةَ تَبُوكَ إِلاَّ بَدْرٍ،وَلَمْ يُعَاتِبِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرٍ،إِنَّمَا خَرَجَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُرِيدُ الْعِيرَ،وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ مُغِيثِينَ لِعِيرِهِمْ،فَالْتَقَوْا عَلَى غَيْرِ مَوْعِدٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ،وَلَعَمْرِي إِنَّ أَشْرَفَ مَشَاهِدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي النَّاسِ لَبَدْرٌ،وَمَا أُحِبُّ أَنِّي كُنْتُ شَهِدْتُهَا مَكَانَ بَيْعَتِي لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلاَمِ،وَلَمْ أَتَخَلَّفْ بَعْدُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا،حَتَّى كَانَتْ
(1) - دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ >> جُمَّاعُ أَبْوَابِ غَزْوَةِ تَبُوكَ >> بَابُ سَبَبِ تَسْمِيَةِ غَزْوَةِ تَبُوكَ بِالْعُسْرَةِ >> (1984 ) صحيح
(2) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [14 /539] وتفسير ابن كثير - دار طيبة [4 /229]