فهرس الكتاب
عَلَيْكَ،فَقَالَ:"وَعَلَيْكَ،فَادْخُلْ"،فَدَخَلْتُ،فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى وِسَادَةٍ مُرْتَفِقًا أُخْرَى،فَلَمَّا رَآنِي نَبَذَ إِلَيَّ الَّتِي كَانَ مُرْتِفَقًا،فَجَلَسْتُ عَلَيْهَا،فَإِذَا هِيَ تَغْرِزُنِي،فَإِذَا حَشْوُهَا لِيفٌ،قَالَ:"يَا جَارِيَةُ،أَطْعِمِينَا"،فَجَاءَتْ بِقَصْعَةٍ فِيهَا قِدَرٌ مِنْ خُبْزٍ يَابِسٍ،فَصَبَّ عَلَيْهَا زَيْتًا،مَا فِيهِ مِلْحٌ وَلَا خَلٌّ،فَقَالَ:"أَمَا إِنَّهَا لَوْ كَانَتْ رَاضِيَةً أَطْعَمَتْنَا أَطْيَبَ مِنْ هَذَا"،فَقَالَ لِي:"ادْنُ"،فَدَنَوْتُ،قَالَ:فَذَهَبْتُ أَتَنَاوَلُ مِنْهَا قِدْرَةً،فَلَا وَاللَّهِ إِنِ اسْتَطَعْتُ أَنْ أُجِيزَهَا،فَجَعَلْتُ أَلُوكُهَا مَرَّةً مِنْ ذَا الْجَانِبِ،وَمَرَّةً مِنْ ذَا الْجَانِبِ،فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى أَنْ أُسِيغَهَا،وَأَكَلَ أَحْسَنَ النَّاسِ إِكْلَةً،إِنْ يَتَعَلَّقُ لَهُ طَعَامٌ بِثَوْبٍ أَوْ شَعْرٍ،حَتَّى رَأَيْتُهُ يَلْطَعُ جَوَانِبَ الْقَصْعَةِ،ثُمَّ قَالَ:"يَا جَارِيَةُ،اسْقِينَا"،فَجَاءَتْ بِسَوِيقِ سُلْتٍ،فَقَالَ:"أَعْطِيهِ"،فَنَاوَلَتْنِيهِ،فَجَعَلْتُ إِذَا أَنَا حَرَّكْتُهُ ثَارَتْ لَهُ قُشَارٌ،وَإِنْ أَنَا تَرَكْتُهُ تَنِدَ،فَلَمَّا رَآنِي قَدْ بَشِعْتُ ضَحِكَ،فَقَالَ:"مَا لَكَ أَرَنِيهِ إِنْ شِئْتَ"،فَنَاوَلْتُهُ،فَشَرِبَ حَتَّى وَضَعَ عَلَى جَبْهَتِهِ هَكَذَا ثُمَّ قَالَ:"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا فَأَشْبَعَنَا،وَسَقَانَا فَأَرْوَانَا،وَجَعَلَنَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -"،فَقُلْتُ:قَدْ أَكَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَشَبِعَ،وَشَرِبَ فَرَوِيَ،حَاجَتِي جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ - قَالَ شَقِيقٌ:وَكَانَ فِي حَدِيثِ الرَّسُولِ إِيَّايَ ثَلَاثَةُ أَيْمَانٍ،هَذَا فِي مَوْضِعٍ مِنْهَا مَا قَالَ:لِلَّهِ أَبُوكَ فَمَنْ أَنْتَ ؟ قُلْتُ:رَسُولُ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ:فَتَاللَّهِ،لَكَأَنَّمَا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِهِ تَحَنُّنًا عَلَيَّ،وَحُبًّا لِخَبَرِي عَمَّنْ جِئْتُ مِنْ عِنْدِهِ،وَجَعَلَ يَقُولُ وَهُوَ يَزْحَفُ إِلَيَّ:إِيهًا لِلَّهِ أَبُوكَ،كَيْفَ تَرَكْتَ سَلَمَةَ بْنَ قَيْسٍ ؟ كَيْفَ الْمُسْلِمُونَ ؟ مَا صَنَعْتُمْ ؟ كَيْفَ حَالُكُمْ ؟ قُلْتُ:مَا تُحِبُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ،فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ الْخَبَرَ إِلَى أَنَّهُمْ نَاصَبُونَا الْقِتَالَ،فَأُصِيبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ،فَاسْتَرْجَعَ وَبَلَغَ مِنْهُ مَا شَاءَ اللَّهُ،وَتَرَحَّمَ عَلَى الرَّجُلِ طَوِيلًا،قُلْتُ:ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ فَتَحَ عَلَيْنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَتْحًا عَظِيمًا فَمَلَأَ الْمُسْلِمُونَ أَيْدِيَهُمْ مِنْ مَتَاعٍ وَرَقِيقٍ وَرِقَةٍ مَا شَاءُوا قَالَ،وَيْحَكَ كَيْفَ اللَّحْمُ بِهَا ؟ فَإِنَّهَا شَجَرَةُ الْعَرَبِ،وَلَا تَصْلُحُ الْعَرَبُ إِلَّا بِشَجَرَتِهَا،قُلْتُ:الشَّاةُ بِدِرْهَمَيْنِ،ثُمَّ قَالَ:"اللَّهُ أَكْبَرُ"،ثُمَّ قَالَ:وَيْحَكَ هَلْ أُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلٌ آخَرُ ؟ قَالَ:جِئْتُ إِلَى ذِكْرِ السَّفَطَيْنِ،فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرَهُمَا،فَحَلَفَ الرَّسُولُ عِنْدَهَا يَمِينًا أُخْرَى،اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَكَأَنَّمَا أُرْسِلَتْ عَلَيْهِ الْأَفَاعِي وَالْأَسَاوِدُ وَالْأَرَاقِمُ أَنْ وَثَبَ كَمَكَانِ تِيكَ،ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ بِوَجْهِهِ آخِذًا بِحَقْوَتِهِ فَقَالَ:لِلَّهِ أَبُوكَ وَعَلَامَ يَكُونَانِ لِعُمَرَ ؟ وَاللَّهِ لَيَسْتَقْبِلَنَّ الْمُسْلِمُونَ الظَّمَأَ وَالْجُوعَ وَالْخَوْفَ فِي نُحُورِ الْعَدُوِّ،وَعُمَرُ يَغْدُو مِنْ أَهْلِهِ وَيَرُوحُ إِلَيْهِمْ يَتَّبِعُ أَفْيَاءَ الْمَدِينَةِ،ارْجِعْ بِمَا جِئْتَ بِهِ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ،فَقُلْتُ:يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ،إِنَّهُ أُبْدِعَ بِي وَبِصَاحِبِي فَاحْمِلْنَا قَالَ:لَا،وَلَا كَرَامَةَ لِلْآخِرِ مَا جِئْتَ بِمَا أُسَرُّ بِعْهُ فَأَحْمِلَكَ،قُلْتُ:يَا لَعِبَادِ اللَّهِ أَيُتْرَكُ رَجُلٌ بَيْنَ أَرْضَيْنِ ؟ قَالَ:أَمَا لَوْلَا قُلْتَهَا يَا يَرْفَأُ انْطَلِقْ بِهِ فَاحْمِلْهُ وَصَاحِبَهُ عَلَى نَاقَتَيْنِ ظِهْرِيَّيْنِ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ،ثُمَّ انْخَسْ بِهِمَا حَتَّى تُخْرِجَهُمَا مِنَ الْحَرَّةِ،ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ:أَمَا لَئِنْ شَتَا الْمُسْلِمُونَ فِي مَشَاتِيهِمْ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَا بَيْنَهُمْ لَأَعْذِرَنَّ مِنْكَ وَمِنْ صُوَيْحِبِكَ،ثُمَّ قَالَ:إِذَا انْتَهَيْتَ إِلَى الْبِلَادِ فَانْظُرْ أَحْوَجَ مَنْ تَرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَادْفَعْ إِلَيْهِ النَّاقَتَيْنِ،فَأَتَيْنَاهُ فَأَخْبَرَنَاهُ الْخَبَرَ،فَقَالَ:ادْعُ لِي الْمُسْلِمِينَ،فَلَمَّا جَاءُوا قَالَ:إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ وَفَرَكُمْ بِسَفَطَيْكُمْ،وَرَآكُمْ أَحَقَّ بِهِمَا مِنْهُ،فَاقْتَسِمُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ،فَقَالُوا:أَصْلَحَكَ اللَّهُ