فهرس الكتاب
قَرَأَتْ: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ} هَذِهِ الآيَةَ،وَمَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - كَتَمَ فَقَدْ كَذَبَ،ثُمَّ قَرَأَتْ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ [1] .
هذه صور الوحي وطرق الاتصال .. «إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ» ..يوحي من علو،ويوحي بحكمة إلى من يختار ..
وبعد فإنه ما من مرة وقفت أمام آية تذكر الوحي أو حديث،لأتأمل هذا الاتصال إلا أحسست له رجفة في أوصالي ..كيف؟ كيف يكون هذا الاتصال بين الذات الأزلية الأبدية التي ليس لها حيز في المكان ولا حيز في الزمان،المحيطة بكل شيء،والتي ليس كمثلها شيء.كيف يكون هذا الاتصال بين هذه الذات العلية وذات إنسان متحيزة في المكان والزمان،محدودة بحدود المخلوقات،من أبناء الفناء؟! ثم كيف يتمثل هذا الاتصال معاني وكلمات وعبارات؟
وكيف تطيق ذات محدودة فانية أن تتلقى كلام اللّه الأزلي الأبدي الذي لا حيز له ولا حدود؟ ولا شكل له معهود؟ وكيف؟ وكيف؟ ..
ولكني أعود فأقول:وما لك تسأل عن كيف؟ وأنت لا تملك أن تتصور إلا في حدود ذاتك المتحيزة القاصرة الفانية؟! لقد وقعت هذه الحقيقة وتمثلت في صورة.وصار لها وجود هو الذي تملك أن تدركه من وجود.ولكن الوهلة والرجفة والروعة لا تزول!
إن النبوة هذه أمر عظيم حقا.وإن لحظة التلقي هذه لعظيمة حقا.تلقي الذات الإنسانية لوحي من الذات العلوية ..أخي الذي تقرأ هذه الكلمات،أأنت معي في هذا التصور؟! أأنت معي تحاول أن تتصور؟! هذا الوحي الصادر من هناك.أأقول:هناك؟! كلا.إنه ليس هناك «هناك» ! الصادر من غير مكان ولا زمان،ولا حيز ولا حد ولا جهة ولا ظرف.الصادر من المطلق النهائي،الأزلي الأبدي،الصادر من اللّه ذي الجلال إلى إنسان ..إنسان مهما يكن نبيا رسولا،فإنه هو هذا الإنسان ذو الحدود والقيود ..هذا الوحي.هذا الاتصال العجيب.المعجز.الذي لا يملك إلا اللّه أن يجعله واقعة تتحقق،ولا يعرف إلا اللّه كيف يقع ويتحقق ..أخي الذي تقرأ هذه الكلمات.هل تحس ما أحس من وراء هذه العبارات المتقطعة التي أحاول أن أنقل بها ما يخالج كياني كله؟ إنني لا أعرف ماذا أقول عما يخالج كياني كله من الروعة والرجفة وأنا أحاول أن أتصور ذلك الحدث العظيم العجيب الخارق في طبيعته،والخارق في صورته،الذي حدث مرات ومرات.وأحس بحدوثه ناس رأوا مظاهره رأي العين،على عهد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - .وهذه عائشة رضي اللّه عنها تشهد من هذه اللحظات العجيبة في تاريخ البشرية فتروي عن واحدة منها عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ إِنَّ عَائِشَةَ - رضى الله عنها -
(1) -مسند أحمد (عالم الكتب) [8 /54] (24227) 24731 صحيح