فهرس الكتاب

الصفحة 3966 من 4997

إليه القرآن الكريم وما يقصد إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيلوونه عن استقامته،ويتلمسون شبهة في عموم اللفظ فيدخلون منها بهذه المماحكات الجدلية،التي يغرم بمثلها كل من عدم الإخلاص،وفقد الاستقامة يكابر في الحق،ويعمد إلى شبهة في لفظ أو عبارة أو منفذ خلفي للحقيقة! ومن ثم كان نهي رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وتشديده عن المراء،الذي لا يقصد به وجه الحق،إنما يراد به الغلبة من أي طريق.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عَمْرٍو،قَالَ:كَانَ قَوْمٌ عَلَى بَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا يَتَنَازَعُونَ فِي الْقُرْآنِ،فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُتَغَيِّرًا وَجْهُهُ،فَقَالَ:"يَا قَوْمُ بِهَذَا هَلَكَتِ الأُمَمُ،إِنَّ الْقُرْآنَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا،فَلا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ". [1]

وعن أبي أُمامة"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،خرج على الناس وهم يتنازعون في القرآن،فغضب غضبا شديدًا،حتى كأنما صبّ على وجهه الخلّ،ثم قال - صلى الله عليه وسلم -:"لا تَضْرِبُوا كِتَابَ الله بَعْضَهُ بِبَعْضٍ،فإنَّهُ ما ضَلَّ قَوْمٌ قَطُّ إلا أُوتُوا الجَدَلَ"،ثم تلا ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) . [2] .."

وهناك احتمال في تفسير قوله تعالى: «وَقالُوا:أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ؟» يرشح له سياق الآيات في صدد أسطورتهم عن الملائكة.وهو أنهم عنوا أن عبادتهم للملائكة خير من عبادة النصارى لعيسى ابن مريم.بما أن الملائكة أقرب في طبيعتهم وأقرب نسبا - حسب اسطورتهم - من اللّه سبحانه وتعالى عما يصفون.ويكون التعقيب بقوله تعالى: «ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ» ..يعني الرد على ابن الزبعري كما سبق.كما يعني أن ضربهم المثل بعبادة النصارى للمسيح باطل.فعمل النصارى ليس حجة لأنه انحراف عن التوحيد.كانحرافهم هم.فلا مجال للمفاضلة بين انحراف وانحراف.فكله ضلال.وقد أشار إلى هذا الوجه بعض المفسرين أيضا.وهو قريب.

ومن ثم جاء التعقيب بعد هذا: «إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ» ..فليس إلها يعبد كما انحرف فريق من النصارى فعبدوه.إنما هو عبد أنعم اللّه عليه.ولا جريرة له في عبادتهم إياه.فإنما أنعم اللّه عليه ليكون مثلا لبني إسرائيل ينظرون إليه ويتأسون به.فنسوا المثل،وضلوا السبيل! واستطرد إلى أسطورتهم حول الملائكة،يبين لهم أن الملائكة خلق من خلق اللّه مثلهم.ولو شاء اللّه لجعل الملائكة يخلفونهم في هذه الأرض،أو لحول بعض الناس إلى ملائكة يخلفونهم في الأرض: «وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ» ..

فمرد الأمر إلى مشيئة اللّه في الخلق.وما يشاؤه من الخلق يكون.وليس أحد من خلقه يمت إليه بنسب،ولا يتصل به - سبحانه - إلا صلة المخلوق بالخالق،والعبد بالرب،والعابد بالمعبود.

(1) -المعجم الكبير للطبراني [20 /138] (1519) صحيح لغيره

(2) -تفسير الطبري-مؤسسة الرسالة [21 /629] حسن لغيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت