وهذه الآيات من سورة البقرة في هذا الدرس كانت تواجه وضع الجماعة المسلمة في المدينة مع مشركي قريش الذين أخرجوا المؤمنين من ديارهم،وآذوهم في دينهم،وفتنوهم في عقيدتهم،وهي - مع هذا - تمثل قاعدة أحكام الجهاد في الإسلام:
وتبدأ الآيات بأمر المسلمين بقتال هؤلاء الذين قاتلوهم وما يزالون يقاتلونهم،وبقتال من يقاتلهم في أي وقت وفي أي مكان،ولكن دون اعتداء: «وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ،وَلا تَعْتَدُوا،إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» ..
وفي أول آية من آيات القتال نجد التحديد الحاسم لهدف القتال،والراية التي تخاض تحتها المعركة في وضوح وجلاء: «وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ» ..
إنه القتال للّه،لا لأي هدف آخر من الأهداف التي عرفتها البشرية في حروبها الطويلة.القتال في سبيل اللّه.لا في سبيل الأمجاد والاستعلاء في الأرض،ولا في سبيل المغانم والمكاسب ولا في سبيل الأسواق والخامات ولا في سبيل تسويد طبقة على طبقة أو جنس على جنس ..إنما هو القتال لتلك الأهداف المحددة التي من أجلها شرع الجهاد في الإسلام،القتال لإعلاء كلمة اللّه في الأرض،وإقرار منهجه في الحياة،وحماية المؤمنين به أن يفتنوا عن دينهم،أو أن يجرفهم الضلال والفساد،وما عدا هذه فهي حرب غير مشروعة في حكم الإسلام،وليس لمن يخوضها أجر عند اللّه ولا مقام.
ومع تحديد الهدف،تحديد المدى: «وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» ..والعدوان يكون بتجاوز المحاربين المعتدين إلى غير المحاربين من الآمنين المسالمين الذين لا يشكلون خطرا على الدعوة الإسلامية ولا على الجماعة المسلمة،كالنساء والأطفال والشيوخ والعباد المنقطعين للعبادة من أهل كل ملة ودين ..كما يكون بتجاوز آداب القتال التي شرعها الإسلام،ووضع بها حدا للشناعات التي عرفتها حروب الجاهليات الغابرة والحاضرة على السواء ..تلك الشناعات التي ينفر منها حس الإسلام،وتأباها تقوى الإسلام.
وهذه طائفة من أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ووصايا أصحابه،تكشف عن طبيعة هذه الآداب،التي عرفتها البشرية أول مرة على يد الإسلام:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِى بَعْضِ مَغَازِى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ [1] .
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ » . (أخرجه الشيخان) [2] .
(1) - أخرجه الجماعة المسند الجامع [10 /1220] (8129) وصحيح البخارى- المكنز [11 /56]
(2) - صحيح البخارى- المكنز [9 /293] (2559) وأخرجه الجماعة المسند الجامع [17 /1167] (14100)