والمنة ظاهرة في اختيار اللّه للأميين ليجعلهم أهل الكتاب المبين وليرسل فيهم رسولا منهم،يرتفعون باختياره منهم إلى مقام كريم ويخرجهم من أميتهم أو من أمميتهم بتلاوة آيات اللّه عليهم،وتغيير ما بهم،وتمييزهم على العالمين ..
«وَيُزَكِّيهِمْ» ..وإنها لتزكية وإنه لتطهير ذلك الذي كان يأخذهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - تطهير للضمير والشعور،وتطهير للعمل والسلوك،وتطهير للحياة الزوجية،وتطهير للحياة الاجتماعية .تطهير ترتفع به النفوس من عقائد الشرك إلى عقيدة التوحيد ومن التصورات الباطلة إلى الاعتقاد الصحيح،ومن الأساطير الغامضة إلى اليقين الواضح.وترتفع به من رجس الفوضى الأخلاقية إلى نظافة الخلق الإيماني.ومن دنس الربا والسحت إلى طهارة الكسب الحلال ..إنها تزكية شاملة للفرد والجماعة ولحياة السريرة وحياة الواقع.تزكية ترتفع بالإنسان وتصوراته عن الحياة كلها وعن نفسه ونشأته إلى آفاق النور التي يتصل فيها بربه،ويتعامل مع الملأ الأعلى ويحسب في شعوره وعمله حساب ذلك الملأ العلوي الكريم [1]
« وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ» ..يعلمهم الكتاب فيصبحون أهل كتاب.ويعلمهم الحكمة فيدركون حقائق الأمور،ويحسنون التقدير،وتلهم أرواحهم صواب الحكم وصواب العمل وهو خير كثير. [2]
(1) - يراجع بتوسع كتاب: «الإنسان بين المادية والإسلام» لمحمد قطب «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )
(2) - وَأَتَمَّ إِبراهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ،عَلَيْهِما السَّلامُ،دَعْوَتَهُمَا لأَهْلِ الحَرَمِ أَنْ يَبْعَثَ اللهُ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ ( أَيْ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبراهِيمَ ) يَتْلُو عَلَيهِمْ آياتِ اللهِ،وَيُعَلِّمُهُمُ القُرآنَ ( الكِتَابَ ) وَيُعَلّمُهُمْ أَسْرَارَ الشَّرِيعَةِ وَمَقَاصِدَهَا بِسِيرَتِهِ فِي المُسْلِمِينَ،فَيَكُونُ قُدْوَةً لَهُمْ ( السُّنَّةُ ) وَيُفَقِّهُهُمْ فِي الدِّينِ ( يُعَلِّمُهُمُ الحِكْمَةَ( أَيْ إِنَّ الرَّسُولَ يُعَلِّمُهُمُ الخَيْرَ فَيَفْعَلُونَهُ،وَيُبَصِّرُهُمْ بِالشَّرِّ فَيَجْتَنِبُونَهُ،وَيُخْبِرُهُمْ بِرِضَا اللهِ عَنْهُمْ إِذَا أَطَاعُوهُ،لِيسْتَكْثِرُوا مِنْ طَاعَتِهِ،وَيَجْتَنِبُوا مَا يُسْخِطُهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ ) .وَخَتَمَا دَعْوَتَهُمَا بِقُوْلِهِما:إِنَّكَ يَا رَبِّ أَنْتَ العَزيزُ الذِي لاَ يُعْجِزُهُ شَيءٌ،القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ،الحَكِيمُ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوالِهِ وَشَرْعِهِ فَيَضَعُ الأَشْيَاءَ فِي مَحَالِّهَا لِعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ .أيسر التفاسير لأسعد حومد [ص 136]
قلت:الحكمة التي وردت في القرآن الكريم قسيما للقرآن هي السنة بيقين انظر الدر المنثور للسيوطي - موقع التفاسير [1 /268]
قال الشافعي:ففرض الله على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله.فقال في كتابه: { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } . [البقرة:129] .
وقال جل ثناؤه: { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ } [البقرة:151] .
وقال: { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ } . [آل عمران:164]
وقال جل ثناؤه: { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ،وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ } [الجمعة:2]
وقال: { وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ } . [البقرة:من الآية231]
وقال: { وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا } . [النساء:من الآية113]
وقال: { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا } [الأحزاب:34]
فذكر الله الكتاب ،وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول:الحكمة سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وهذا يشبه ما قال والله أعلم لأن القرآن ذكر وأتبعته الحكمة،وذكر الله منّه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز - والله أعلم - أن يقال الحكمة ها هنا إلا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله، وحتم على الناس اتباع أمره فلا يجوز أن يقال لقوله:فرض إلا لكتاب الله ثم سنة رسوله لما وصفنا، من أن الله جعل الإيمان برسوله مقرونا بالإيمان به. وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبينة عن الله معنى ما أراد:دليلا على خاصه وعامه. ثم قرن الحكمة بها بكتابه فاتبعها إياه،ولم يجعل هذا لأحد من خلقه غير رسوله - صلى الله عليه وسلم - .الرسالة [1 /70]