مَعَهَا،فَمَرّ بِهِمَا بِلَالٌ وَهُوَ الّذِي جَاءَ بِهِمَا عَلَى قَتْلَى مِنْ قَتْلَى يَهُودَ فَلَمّا رَأَتْهُمْ الّتِي مَعَ صَفِيّةَ صَاحَتْ .وَصَكّتْ وَجْهَهَا وَحَثّتْ التّرَابَ عَلَى رَأْسِهَا ؛ فَلَمّا رَآهَا رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ أَعْزِبُوا عَنّي هَذِهِ الشّيْطَانَةَ وَأَمَرَ بِصَفِيّةَ فَحِيزَتْ خَلْفَهُ .وَأَلْقَى عَلَيْهَا رِدَاءَهُ فَعَرَفَ الْمُسْلِمُونَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ اصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ .فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِبِلَالِ فِيمَا بَلَغَنِي،حِينَ رَأَى بِتِلْكَ الْيَهُودِيّةِ مَا رَأَى:أَنُزِعَتْ مِنْك الرّحْمَةُ يَا بِلَالُ،حِينَ تَمُرّ بِامْرَأَتَيْنِ عَلَى قَتْلَى رِجَالِهِمَا ؟ وَكَانَتْ صَفِيّةُ قَدْ رَأَتْ فِي الْمَنَامِ وَهِيَ عَرُوسٌ بِكِنَانَةِ بْنِ الرّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ أَنّ قَمَرًا وَقَع حِجْرُهَا .فَعَرَضَتْ رُؤْيَاهَا عَلَى زَوْجِهَا ؟ فَقَالَ مَا هَذَا إلّا أَنّك تَمَنّيْنَ مُلْكَ الْحِجَازِ مُحَمّدًا،فَلَطَمَ وَجْهَهَا لَطْمَةً خَضّرَ عَيْنَهَا مِنْهَا .فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَبِهَا أَثَرٌ مِنْهُ فَسَأَلَهَا مَا هُوَ ؟ فَأَخْبَرَتْهُ هَذَا الْخَبَرَ . [1]
وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ،قَالَ:ثُمَّ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ حَاصَرُوا الْيَهُودَ أَشَدَّ الْحِصَارِ،فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْأَمَنَةَ عَلَى دِمَائِهِمْ،وَيَبْرُزُونَ لَهُ مِنْ خَيْبَرَ وَأَرْضِهَا،وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ فَقَاضَاهُمْ عَلَى الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ وَهُوَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ،وَعَلَى الْحَلْقَةِ وَهِيَ الْأَدَاةُ،وَعَلَى الْبَزِّ،إِلَّا ثَوْبًا عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ،وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ اللَّهِ مِنْكُمْ إِنْ كَتَمْتُمْ شَيْئًا،وَأَنْ تَعْمَلُوا فِي أَمْوَالِكُمْ عَلَى نِصْفِ الثَّمَرِ كُلَّ عَامٍ مَا أَقْرَرْنَاكُمْ،فَإِذَا شِئْنَا أَنْ نُخْرِجَكُمْ أَخْرَجْنَاكُمْ،فَنَزَلُوا عَلَى ذَلِكَ،وَكَتَمَ بَنُو أَبِي الْحُقَيْقِ آنِيَةً مِنْ فِضَّةٍ،وَمَالًا كَثِيرًا كَانَ فِي مَسْكِ جَمَلٍ عِنْدَ كِنَانَةَ بْنِ رَبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"أَيْنَ الْآنِيَةُ وَالْمَالُ الَّذِي خَرَجْتُمْ بِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ حِينَ أَجْلَيْنَاكُمْ ؟"قَالُوا:ذَهَبَ . وَحَلَفُوا عَلَى ذَلِكَ،وَأَعْلَمَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْمَالِ الَّذِي عِنْدَهُمَا،فَدَفَعَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الزُّبَيْرِ يُعَذِّبُهُمَا فَاعْتَرَفَ ابْنُ عَمِّ كِنَانَةَ فَدَلَّ عَلَى الْمَالِ،ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَ الزُّبَيْرَ فَدَفَعَ كِنَانَةَ بْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ،فَقَتَلَهُ،وَيَزْعُمُونَ أَنَّ كِنَانَةَ هُوَ قَتَلَ مَحْمُودَ بْنَ مَسْلَمَةَ . وَاسْتَحَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَبْيَ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَابْنَةِ عَمِّهَا،وَكَانَتْ تَحْتَ كِنَانَةَ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ،فَأَعْطَى ابْنَةَ عَمِّهَا دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ،وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَعَدَهَا دِحْيَةَ وَأَمْسَكَ صَفِيَّةَ وَسَبَاهَا،وَهِيَ عَرُوسٌ حِدْثَانٌ مَا دَخَلَتْ بَيْتَهَا،فَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَذْهَبَ بِهَا إِلَى الرَّحْلِ،فَمَرَّ بِهَا بِلَالٌ وَسْطَ الْقَتْلَى،فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَالَ:"أَذَهَبَتْ مِنْكَ الرَّحْمَةُ يَا بِلَالُ". وَعَرَضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَسْلَمَتْ،فَاصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ،وَدَخَلَ بِهَا،وَلَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ رِجَالٌ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطِيَهَا إِيَّاهُ،فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُعْرِضُوا عَنْهَا،وَأَبْصَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خُضْرَةً فِي وَجْهِهَا،فَقَالَ:"مَا هَذَا بِوَجْهِكِ ؟"قَالَتْ:يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ رُؤْيَا قَبْلَ قُدُومِكَ عَلَيْنَا وَلَا وَاللَّهِ مَا أَذْكُرُ مِنْ شَأْنِكَ مِنْ شَيْءٍ قَصَصْتُهَا عَلَى زَوْجِي،فَلَطَمَ وَجْهِي،وَقَالَ:تَمَنَّيْنَ هَذَا الْمَلِكَ الَّذِي بِالْمَدِينَةِ،قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"وَمَاذَا رَأَيْتِ ؟"قَالَتْ:رَأَيْتُ الْقَمَرَ زَالَ مِنْ مَكَانِهِ فَوَقَعَ فِي حِجْرِي،فَأُعْجِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِرُؤيَاهَا . فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَرْتَحِلَ قَافِلًا إِلَى الْمَدِينَةِ،فَلَمَّا رَكِبَ
(1) - سيرة ابن هشام [2 /336] وتاريخ الرسل والملوك [2 /34] والبداية والنهاية لابن كثير - موافقة للمطبوع [4 /224] بلا إسناد