وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،قَالَ:كُنَّا نَقْعُدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْمَسْجِدِ،فَإِذَا قَامَ قُمْنَا،فَقَامَ يَوْمًا فَقُمْنَا مَعَهُ،حَتَّى لَمَّا بَلَغَ وَسَطَ الْمَسْجِدِ أَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ،فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ مِنْ وَرَائِهِ،وَكَانَ رِدَاؤُهُ خَشِنًا،فَحَمَّرَ رَقَبَتَهُ،قَالَ:يَا مُحَمَّدُ،احْمِلْ لِي عَلَى بَعِيرَيَّ هَذَيْنِ،فَإِنَّكَ لَا تَحْمِلُ مِنْ مَالِكَ،وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لَا،وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ،لَا أَحْمِلُ لَكَ حَتَّى تُقِيدَنِي مِمَّا جَبَذْتَ بِرَقَبَتِي"فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ:لَا،وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ،كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ:لَا،وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَ،فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الْأَعْرَابِيِّ أَقْبَلْنَا إِلَيْهِ سِرَاعًا،فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالَ:"عَزَمْتُ عَلَى مَنْ سَمِعَ كَلَامِي أَنْ لَا يَبْرَحَ مَقَامَهُ حَتَّى آذَنَ لَهُ"،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِرَجُلٍ مِنَ الْقَوْمِ:"يَا فُلَانُ،احْمِلْ لَهُ عَلَى بَعِيرٍ شَعِيرًا،وَعَلَى بَعِيرٍ تَمْرًا"،ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"انْصَرَفُوا" [1]
فهكذا كان أخذه - صلى الله عليه وسلم - للنفوس الشاردة.بهذه البساطة،وبهذا اليسر،وبهذا الرفق وبهذا التوفيق ..والنماذج شتى في سيرته كلها.وهي من التيسير لليسرى كما بشره ربه ووفقه في حياته وفي دعوته وفي أموره جميعا ..
هذه الشخصية الكريمة الحبيبة الميسرة لليسرى كانت كذلك لكي تحمل إلى البشرية هذه الدعوة.فتكون طبيعتها من طبيعتها،وحقيقتها من حقيقتها،وتكون كفاء للأمانة الضخمة التي حملتها - بتيسير اللّه وتوفيقه - على ضخامتها ...حيث تتحول الرسالة بهذا التيسير من عبء مثقل،إلى عمل محبب،ورياضة جميلة،وفراح وانشراح ..
وفي صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - ،وصفة وظيفته التي جاء ليؤديها ورد في القرآن الكريم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) } [الأنبياء:107] .. { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) } [الأعراف:157]
فقد جاء - صلى الله عليه وسلم - رحمة للبشرية.جاء ميسرا يضع عن كواهل الناس الأثقال والأغلال التي كتبت عليهم،حينما شددوا فشدد عليهم.
وفي صفة الرسالة التي حملها ورد: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } (17) سورة القمر.. {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} (78) سورة الحج..لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن
(1) - السُّنَنُ الْكُبْرَى لِلنَّسَائِي ( 5800 ) صحيح