فهرس الكتاب

الصفحة 896 من 4997

إن هذه الأرض لا تصلح بالتشريعات والتنظيمات.ما لم يكن هناك رقابة من التقوى في الضمير لتنفيذ التشريعات والتنظيمات ..وهذه التقوى لا تجيش - تجاه التشريعات والتنظيمات - إلا حين تكون صادرة من الجهة المطلعة على السرائر،الرقيبة على الضمائر ..عندئذ يحس الفرد - وهو يهم بانتهاك حرمة القانون - أنه يخون اللّه،ويعصي أمره،ويصادم إرادته وأن اللّه مطلع على نيته هذه وعلى فعله ..وعندئذ تتزلزل أقدامه،وترتجف مفاصلة،وتجيش تقواه ..

إن اللّه أعلم بعباده،وأعرف بفطرتهم،وأخبر بتكوينهم النفسي والعصبي - وهو خلقهم - ومن ثم جعل التشريع تشريعه،والقانون قانونه،والنظام نظامه،والمنهج منهجه،ليكون له في القلوب وزنه وأثره ومخافته ومهابته ..وقد علم - سبحانه - أنه لا يطاع أبدا شرع لا يرتكن إلى هذه الجهة التي تخشاها وترجوها القلوب،وتعرف أنها مطلعة على خفايا السرائر وخبايا القلوب.وأنه مهما أطاع العبيد تشريع العبيد،تحت تأثير البطش والإرهاب،والرقابة الظاهرية التي لا تطلع على الأفئدة،فإنهم لا بد متفلتون منها كلما غافلوا الرقابة،وكلما وأتتهم الحيلة.مع شعورهم دائما بالقهر والكبت والتهيؤ للانتقاض ..

3 - «وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ.فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً،أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ،ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا» ..

عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لاَ تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى ) .فَقَالَتْ يَا ابْنَ أُخْتِى،هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِى حَجْرِ وَلِيِّهَا،تَشْرَكُهُ فِى مَالِهِ وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا،فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا،بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِى صَدَاقِهَا،فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ،فَنُهُوا عَنْ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ،إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ،وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِى الصَّدَاقِ،فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ .قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ وَإِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَاءِ ) قَالَتْ عَائِشَةُ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِى آيَةٍ أُخْرَى ( وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ) رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ قَالَتْ فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا عَنْ مَنْ رَغِبُوا فِى مَالِهِ وَجَمَالِهِ فِى يَتَامَى النِّسَاءِ،إِلاَّ بِالْقِسْطِ،مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُنَّ قَلِيلاَتِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ [1] .

وحديث عائشة - رضي اللّه عنها - يصور جانبا من التصورات والتقاليد التي كانت سائدة في الجاهلية،ثم بقيت في المجتمع المسلم،حتى جاء القرآن ينهى عنها ويمحوها،بهذه التوجيهات الرفيعة،ويكل الأمر إلى الضمائر،وهو يقول: «وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى » ..فهي مسألة تحرج وتقوى وخوف من اللّه إذا توقع الولي ألا يعدل مع اليتيمة في حجره،ونص الآية مطلق لا يحدد مواضع العدل،فالمطلوب هو العدل في كل صوره وبكل معانيه في هذه الحالة،سواء فيما يختص

(1) - صحيح البخارى- المكنز - (4574 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت