فهرس الكتاب

الصفحة 948 من 4997

ومما يلاحظ أن معظم المحرمات التي حرمها القرآن في الآيات السابقة،كانت محرمة في الجاهلية ولم يكن يباح منها في عرف الجاهلية إلا ما نكح الآباء،والجمع بين الأختين - على كره من العرف الجاهلي ذاته لنكاح زوجات الآباء.وقد كان يسمى عندهم «مقيتا» نسبة إلى المقت! ولكن لما جاء القرآن يقرر حرمة هذه المحرمات،لم يرجع في تحريمها إلى عرف الجاهلية هذا،إنما قال اللّه سبحانه: «كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ»

هذه لمسة تقتضي الوقوف أمامها لبيان حقيقة الأصل الاعتقادي في الإسلام،وحقيقة الأصل الفقهي.فهذا البيان يفيدنا في أمور كثيرة في حياتنا الواقعية:

إن الإسلام يعتبر أن الأصل الوحيد الذي يقوم عليه التشريع للناس هو أمر اللّه وإذنه.باعتبار أنه هو مصدر السلطان الأول والأخير.فكل ما لم يقم ابتداء على هذا الأصل فهو باطل بطلانا أصليا،غير قابل للتصحيح المستأنف.فالجاهلية بكل ما فيها - والجاهلية هي كل وضع لا يستمد وجوده من ذلك الأصل الوحيد الصحيح - باطلة بطلانا أصليا.باطلة بكل تصوراتها وقيمها وموازينها وعرفها وتقاليدها وشرائعها وقوانينها.والإسلام حين يسيطر على الحياة ويصرفها،يأخذ الحياة جملة،ويأخذ الأمر جملة فيسقط ابتداء كل أوضاع الجاهلية وكل قيمها،وكل عرفها،وكل شرائعها لأنها باطلة بطلانا أصليا غير قابل للتصحيح المستأنف ..

فإذا أقر عرفا كان سائدا في الجاهلية،فهو لا يقره بأصله الجاهلي مستندا إلى هذا الأصل.إنما هو يقرره ابتداء بسلطانه المستمد من أمر اللّه وإذنه.أما ذلك الذي كان في الجاهلية فقد سقط ولم يعد له وجود من الناحية الشرعية.

كذلك حين يحيل الفقه الإسلامي على «العرف» في بعض المسائل فهو يمنح العرف ابتداء سلطانا من عنده هو - بأمر اللّه - فتصبح للعرف - في هذه المسائل - قوة الشريعة،استمدادا من سلطان الشارع - وهو اللّه - لا استمدادا من الناس ومن البيئة التي تواضعت على هذا العرف من قبل.فليس تواضع البيئة على هذا العرف هو الذي يمنحه السلطان ..كلا ..إنما الذي يمنحه السلطان هو اعتبار الشارع إياه مصدرا في بعض المسائل.

وإلا بقي على بطلانه الأصلي،لأنه لم يستمد من أمر اللّه.وهو وحده مصدر السلطان.وهو يقول عما كانت الجاهلية تشرعه مما لم يأذن به اللّه: «أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ؟» فيشير إلى أن اللّه وحده هو الذي يشرع.فهل لهم آلهة شرعت لهم ما لم يأذن به اللّه؟

هذا الأصل الكبير،الذي تشير إليه هذه اللمسة: «كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» تقرره وتؤكده النصوص القرآنية في كل مناسبات التشريع،فما من مرة ذكر القرآن تشريعا إلا أشار إلى المصدر الذي يجعل لهذا التشريع سلطانا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت