فهرس الكتاب

الصفحة 949 من 4997

أما حين يشير إلى شرائع الجاهلية وعرفها وتصوراتها فهو يردفها غالبا بقوله: «ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ» لتحريرها من السلطان ابتداء،وبيان علة بطلانها،وهي كونها لم تصدر من ذلك المصدر الوحيد الصحيح.

وهذا الأصل الذي نقرره هنا هو شيء آخر غير الأصل المعروف في التشريع الإسلامي.من أن الأصل في الأشياء الحل،ما لم يرد بتحريمها نص.فكون الأصل في الأشياء الحل،إنما هو كذلك بأمر اللّه وإذنه.

فهو راجع إلى الأصل الذي قررناه ذاته.إنما نحن نتحدث عما تشرعه الجاهلية لنفسها دون رجوع إلى ما شرعه اللّه.وهذا الأصل فيه البطلان جملة وكلية،حتى يقرر شرع اللّه ما يرى تقريره منه من جديد،فيكتسب منذ أن يرد في شرع اللّه المشروعية والسلطان.

فإذا انتهى السياق من بيان المحرمات،وربطها بأمر اللّه وعهده،أخذ في بيان المجال الذي يملك فيه الناس أن يلبوا دوافع فطرتهم في التزاوج،والطريقة التي يحب اللّه أن يلتقي بها أفراد الجنسين لتكوين البيوت،وإقامة مؤسسات الأسرة،والمتاع بهذا الالتقاء في نظافة وطهر وجد تليق بهذا الأمر العظيم: «وَأُحِلَّ لَكُمْ - ما وَراءَ ذلِكُمْ - أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ ..مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ..فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ - فَرِيضَةً - وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ.إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا» ..

ففيما وراء هذه المحرمات المذكورة فالنكاح حلال،وللراغبين فيه أن يبتغوا النساء،بأموالهم - أي لأداء صداقهن - لا لشراء أعراضهن بالأموال من غير نكاح! ومن ثم قال: «مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ» ..

وجعلها قيدا وشرطا للابتغاء بالأموال،قبل أن يتم الجملة،وقبل أن يمضي في الحديث.ولم يكتف بتقرير هذا القيد في صورته الإيجابية المثبتة: «محصنين» بل أردفها بنفي الصورة الأخرى: «غير مسافحين» زيادة في التوكيد والإيضاح،في معرض التشريع والتقنين ..ثم لكي يرسم صورة لطبيعة العلاقة الأولى التي يحبها ويريدها ..علاقة النكاح ..وصورة لطبيعة العلاقة الأخرى التي يكرهها وينفيها ..علاقة المخادنة أو البغاء ..وقد كانت هذه وتلك معروفة في مجتمع الجاهلية،ومعترفا بها كذلك من المجتمع! عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النِّكَاحَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ،يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوِ ابْنَتَهُ،فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا،وَنِكَاحٌ آخَرُ كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لاِمْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا أَرْسِلِى إِلَى فُلاَنٍ فَاسْتَبْضِعِى مِنْهُ .وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا،وَلاَ يَمَسُّهَا أَبَدًا،حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِى تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ،فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ،وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِى نَجَابَةِ الْوَلَدِ،فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الاِسْتِبْضَاعِ،وَنِكَاحٌ آخَرُ يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا .فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ،وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالِىَ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا،أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا تَقُولُ لَهُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِى كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ،وَقَدْ وَلَدْتُ فَهُوَ ابْنُكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت