السؤالما رأي فضيلتكم في مصطلح"الإسلام السياسي"، الذي بدأ يوصم به بعض الدعاة إلى الله؟
الجوابهذا جزء من الحملة لتجزئة الدين: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} [الحجر:91] فالإسلام الذي نزل على الرسول عليه الصلاة والسلام، كان إسلامًا واحدًا، ومع أن الإسلام واحدًا، إلا أنه كان شاملًا، فبه قام سوق الجهاد، ودعي الناس إلى الله، وأقيمت حلقات التعليم، ونودي إلى الإنفاق في سبيل الله، وجوهد الكفار، وأقيمت الدولة في المدينة، وكانت تدار السياسة والعلاقات بين المسلمين بعضهم ببعض، ومع اليهود والمشركين والفرس والروم، فكان الإسلام كما ذكر الله تعالى في وصف القرآن {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة:48] أي: مهيمنًا على الكتب السابقة كلها وناسخًا لها، وحاكمًا في الدقيق والجليل من أمور الحياة، ولهذا من الأمور القطعية في الإسلام، التي ليست موضع خلاف، أنه لا يوجد في الدنيا كلها مسألة، إلا ولله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم فيها حكم، علمه من علمه وجهله من جهله، كما قرر ذلك الفقهاء والأصوليون والعلماء، فكل مسألة في الدنيا سواء أكانت مسألة اقتصادية أم سياسية أم إدارية أم اجتماعية أم إعلامية أم تعليمية أم أي شيء آخر، خاصة أم عامة على مستوى الفرد والجماعة، الرجل والمرأة، والدولة، والحزب والطائفة، فكل مسألة في الدنيا، لله وللرسول فيها حكم.
هذا الحكم قد يكون تحريمًا أو إباحة أو إيجابًا أو استحبابًا، أو كراهية، وقد يكون صحة أو فسادًا، فالمقصود أن الشريعة الإسلامية مهيمنة، وهذا موضوع اتفاق عند المسلمين، الشرع مهيمن على الحياة كلها، إذًا فالسياسة جزء من الدين، ولو أن قائلًا قال: إن السياسة لا علاقة لها بالدين في الإسلام، لكان بذلك أما جاهلًا فينبغي أن يعلم، أو أن يكون الرجل قد رضي لنفسه دينًا آخر غير الإسلام؛ لأن الإسلام الرباني الذي أنزله الله تعالى على محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لم يكن مجرد علاقة عبادة في المسجد - مثلًا- بين العبد وربه، هذا نعم كان جزءًا من الدين لا شك فيه، لكن أيضًا كان الإسلام تنظيمًا للعلاقات الفردية والجماعية، على مستوى المجتمع المسلم، وعلاقة المجتمع المسلم بالمجتمعات الأخرى المحيطة به أيضًا، في مجالات الحياة وشئونها كلها.
إذًا: لا يمكن أن يكون هناك مسلم عاقل يعرف دينه، ويقول: إن هناك شيئًا لا علاقة له بالدين، الأخلاق -مثلًا- بعضهم يقول: الأخلاق لا علاقة لها بالدين، الفن لا علاقة له بالدين، الإعلام لا علاقة له بالدين، السياسة لا علاقة لها بالدين الخ.
إذًا: ماذا بقي للدين؟ هذه نظرة كهنوتية للإسلام، نظرة كهنوتية بذاتها فربما أخطر القضايا وأشدها حساسية، يكون له طرف فيها بالتعاون مع جهات أخرى ظاهرة أو مستترة، فما أدري لماذا يراد بالمسلمين فقط أن يعزلوا عن هذه الأمور، ويحال بينهم وبينها، وأن يحول ذلك أيضًا إلى قناعة فكرية عند بعضهم؟ فنحن لا نعرف أن هناك معنى لكلمة إسلام سياسي، إلا إذا كان له مقابل، فما هو المقابل له؟ هذا نوع من التجزئة للإسلام، ونوع من التمزيق لدين الله عز وجل، وربما ذكرت المقصود منه الإرهاب والتخويف وإعطاء صورة مخيفة، أو صورة غير واقعية؛ لأنهم يريدون أن يقولوا للناس: إن الدين شيء وديع، وهو عبارة عن رقة القلب، والدين مجرد إنسانية، ومجرد عبادة، وذكر، كما يعتقده الصوفية، هكذا يريدون أن يقولوا للناس، وأن هذا الإنسان الذي يتعاطى مع واقع الحياة، أويحاول أن يشارك الناس هموههم أو يحاول أن يصحح، أنه لا يقوم بواجب ديني أو شرعي.
إذا كان المسلمون يرفضون الغش والخيانة والغدر على المستوى الفردي، فكل الأديان والشرائع ترفض - مثلًا- أن الرجل يخون زوجته، أو يغشها أو يخدعها أو يظلمها أو يؤذيها، وكذلك أن يفعل هذا بأخيه، أو بجاره أو بولده أو بمن يعامله ويشتري منه أو يبيع، إذا كان هذا هو الحكم فيما يتعلق بغش فرد لفرد، فما بالك عندما يتحول الغش إلى غش على مستوى الأمم كلها، بطبيعة الحال: أن الأديان لابد أن تكون أشد حربًا لهذا اللون من الغش، وأشد حربًا عليه، فصحيح أن يكون ذلك بالطرق السلمية، وبالأساليب التي تؤدي إلى النتائج، لكن هذه موضع اجتهاد، لأنها تتفاوت بين عصر وعصر وبيئة وأخرى.
فأقول: هذا التفريق بين أجزاء الإسلام، هو ما يتعاطاه الصحفيون غالبًا، وقد يكون مقصودًا ترويجه بين المسلمين، من أجل إيجاد نوع من الحواجز التي تدمر قوة المسلمين، وتمنع من تضافر الجهود وتآزر القوى في الوصول بالأمة الإسلامية إلى مستواها المنشود.