تاسع وعشرون: السعادة والملل.
لماذا يفضي الملل إلى زوال السعادة ويقضي على جذورها؟ ما هي الأساليب التي يمكن من خلالها التغلب على الملل؟! إن الملل يسيطر على حياتنا فيولد الكآبة؛ نتيجة أسلوب حياتنا الروتيني المُمل، ونتيجة نظرنا إلى ما حولنا بتكرار وبطريقة معتادة تمامًا، فالله تعالى حين خلق الحياة خلق فيها تنويعًا: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} [الذاريات:49] {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} [النحل:69] {صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} [الرعد:4] {مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} [الأنعام:99] {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران:140] {وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} [الروم:22] .
إذًا: نحن نلاحظ في خلق الله عز وجل في الكون وفي الحياة والناس من حولنا كثيرًا من التنوع الذي ينبغي أن نأخذ منه أن على الإنسان حتى يقضي على الملل أن يسعى في التنويع: التنويع مثلًا في القراءة التنويع في العلاقة بين الزوجين التنويع في الملبس التنويع في السفر التنويع في كل الأشياء التي من شأنها أن تضفي قدرًا جديدًا من البهجة على حياتنا.
أيها الشاكي وما بك داء كيف تغدو إذا غدوت عليلًا إن شر الجناة في الأرض نفس تتوخى قبل الرحيل الرحيلا وترى الشوك في الورود وتعمى أن ترى فوقه الندى إكليلا والذي نفسه بغير جمال لا يرى في الوجود شيئًا جميلًا لا بد أن نجدد حياتنا؛ حياتنا الزوجية، وحياتنا في الصداقة، وحياتنا الدعوية، وأن ندخل عليها باستمرار ألوانًا وأنماطًا جديدة كفيلة بطرد الملل، وأن تشدنا إلى هذه الأشياء من جديد.
اسأل نفسك مجموعة من الأسئلة: ألا تشعر بمتعة لتناول الطعام في رمضان أكثر من غيره في الأيام العادية؟ ألا تستمتع برؤية الصديق إذا أبطأت عنه أكثر مما تستمتع لو كنت تراه يوميًا في العمل مثلًا؟ ألا تستمتع بطعم الحياة العادية إذا حرمت منها بسبب توقف أو سجن لبضعة أيام أو غير ذلك؟ ألا تشعر بالمتعة والسعادة إذا عاد التيار الكهربائي إليك بعد انقطاع؟ من خلال هذه الأمثلة تستنتج أننا نشعر بفرحة ومتعة وسعادة إذا أعادت إلينا الظروف شيئًا حرمناه، وهذا السر من أسرار الحرمان الذي جعله الله تعالى في هذه الحياة، لكن إذا لم يأت هذا فبإمكان الإنسان أحيانًا أن يحرم نفسه من بعض الأمور حتى يجد معناها ويجد طعمها وقيمتها.