ولذلك يقول السيوطي في: ألفيته: لأنَّهُ في رأسِ كُلِّ مائةِ يَبْعَثُ رَبُّنا لِهَذِي الأُمَّةِ -مَنًَّا عليها عالِمًَا يُجَدِّدُ دِيْنَ الْهُدى؛ لأنهُ مُجْتَهِدُ ثم قال في وقته: يُشارُ بالعلم إلى مَقامِهِ ويَنْشُرُ السُّنَّةَ في كلامِهِ وأن يكون جامعًا لكُلِّ فَن وأن يَعُمَّ عِلْمُه أهلَ الزَّمَن إذًا لا بد أن يكون المجدد عالمًا، وليس بالضرورة أن يكون-كما يقول السيوطي: عالمًا بكل فن، فإن هذا أمر قد يكون متعذرًا، لكن في نظري أن القضية الأساسية التي نشترطها في الزعماء الذين يقومون بمهمة التجديد: أن يكون عندهم استيعاب للعلوم الشرعية، أي: بمعنى أنه يستوعب ثم يبني على ما استوعب، فيكون عنده فهمٌ، حيث يكون قد دَرَسَ الفقه -مثلًا- ودرس العقيدة الصحيحة، ودرس الحديث النبوي دراسة متأنية بطيئة، ثم بعد ذلك بنى عليها آراءه الجديدة التي تُعْتَبَرُ داخلة في إطار التجديد.
وخذوا على سبيل المثال: الإمام الشافعي، ما هو العمل التجديدي الذي قام به الشافعي حتى اعتُبِرَ أنه من أول المجددين؟ -هو ثاني المجددين عند كثير من العلماء- أعظم عمل قام به الشافعي: هو تصنيفه لكتاب: الرسالة، والرسالة في أصول الفقه: وهو طرائق الاستدلال من الكتاب والسنة.
ميزة الشافعي في هذا الكتاب: أنه هضم العلم السابق، واستقرأ الكتاب والسنة وطرائق العلماء، ثم وضع الأسس والأصول التي يُبنى عليها فهم الكتاب والسنة.
إذًا: الشافعي هضم علم السابقين، أو أسس علم السابقين، ثم بنى عليه عملًا تجديديًا جليلًا وهو: تأليفه لكتاب: الرسالة، الذي يضبط طرق الاستدلال بالكتاب والسنة، فـ الشافعي ما جاء من فراغ، أو درس الفلسفة وقام يُنَزِّلها على الكتاب والسنة، ويحاكم الكتاب والسنة إلى أصولها، بل استقْرَأَ واستوعبَ العلم الشرعي، ثم أفرزَ عملًا تجديديًا.
وخُذ مثالًا آخر: وهو ابن تيمية رحمه الله، وهو من أئمة المجددين، فـ ابن تيمية كانت العلوم كلها كأنها بين يديه، يأخذ منها ما يشاء، ويَدَع ما يشاء، وإذا تكلم ابن تيمية عن أي قضية فقهية فإنه يحكي رأي كل مذهب من المذاهب وكأنه من أصحاب المذهب، فإذا قال: مذهب أبي حنيفة كذا فإنه يتكلم وكأنه حنفي، وإذا قال: مذهب الشافعي كذا فإنه يتكلم وكأنه شافعي، وهكذا، وكل مَن يقرأ كتب ابن تيمية يشهد شهادة حق وصدق بأن الرجل استطاع أن يهضم كثيرًا من العلوم الضرورية التي سبقه إليها العلماء من قبله، ثم يبني ويستخرج من خلال هذا الكم الهائل الغزير من العلوم آراء وقواعدًا وأسسًا تجديدية ربما لم يُسْبَق إليها من قبل، ولذلك كان ابن تيمية معلمًا بارزًا في تاريخ الإسلام، وفي تاريخ العلم الشرعي.
إذًا لا بد أن يتصدى للتجديد من يكون -إن صح التعبير- قد طُبِخَ على نارٍ هادئة، ولا يكون إنسانًا حطابًا، ثقافته ثقافة صحفيين، قرأ من هنا كتابًا، ومن هنا فصلًا، وسمع هنا محاضرة، ودرس في المدرسة الفلانية أشياء يسيرة، ثم خُيِّل إليه أنه يستطيع أن يجدد ويأتي بآراء؛ لأنه في هذه الحالة سيفسد أكثر مما يصلح، وسوف يخالف الأصول والقواعد والمنطلقات المتفق عليها، وهو يظن أنه يأتي بعمل لم يُسْبَق إليه، خاصة إذا وجد لديه شيءٌ من الجرأة والشجاعة وعدم التورع الذي يمنعه عن الإقدام في مثل هذه الأمور.