الأدب السادس: هو أن يكون غرض السائل من سؤاله معرفة حكم الله تعالى، وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم في المسألة، فهدفه الاسترشاد وليس هدفه أي شيء آخر، الأغراض تتفاوت ولكن بعض الناس عندهم مشكلة يريدون أخذ الحكم فيها، هذا لاحرج عليه، بل يجب أن يسأل ولا شك، لكن ما أكثر أغراض السائلين.
بعضهم يسأل لمجرد الاستمتاع بمحادثة فلان، محادثة الشيخ مثلًا وأنه يقول: أحيانًا قلت لفلان وقال لي فلان، وهذا ليس غرضًا شرعيًا، وبعضهم يسأل لأنه يريد معرفة رأي المتكلم وعنده خبر عن المسألة وعنده معرفة وقد ترجح لديه شيء، أو سأل عالمًا، لكنه يريد معرفة رأي فلان نفسه، ليس لأنه أدين أو أعلم؛ فيريد أن يتبعه، بل يريد مجرد استطلاع رأيه، وهذا ليس من الأغراض الشرعية، وإضاعة وقت الناس في مثل هذا ليس حسنًا ولا لائقًا.
وبعضهم يسأل للإيقاع، يعني: يسأل سؤالًا بقصد إيقاع المفتي أو العالم أو المتكلم بكلام معين، يرى أنه يريد أن يوقعه فيه لغرضٍ أو لآخر، وبعضهم يسأل للإحراج، بقصد أن يحرج العالم أو الشيخ بسؤال قد بحث عنه وتعب في البحث عنه، لأنه سؤال صعب يرى أن كونه يعرضه دليل على أنه طالب علم، وإلا ما عرض مثل هذا السؤال المحرج، فيرى أن هذا من باب إحراج الآخرين، فيسأل مثل هذه الأسئلة التي قد يعجزون هم عن الإجابة عليها، هذا أيضًا من الأغراض غير الشرعية؛ بل إنك -أحيانًا- تلحظ أن بعض الأسئلة قد يكون الغرض من ورائها إيذاء إنسان آخر يسمع، فمثلًا: حصلت بيني وبين زميل لي مشكلة واختلفنا فيها، فأردت أن يسمع زميلي رأي الشيخ فقمت وكتبت سؤالًا عن المشكلة نفسها، ما رأيك في إنسان يقول كذا؟ ويفعل كذا، وعرضت المشكلة، ولكن لم أعرضها بأمانة إنما عرضتها بطريقتي الخاصة، وكأنني أملي على الشيخ الجواب.
أحيانًا السؤال يفهم منه أن السائل يريد جوابًا معينًا- مثل قوله: ما رأيك فيمن يزعم كذا وكذا؟ أو ما رأيك فيمن يدعي كذا وكذا؟ الذي قال: يدعي ويزعم، هو يريد أن تقول: إن هذا الكلام غير صحيح؛ لأنه دعوى، ولأنه زعم ولو كان يريد معرفة الحق بالضبط لقال: ما رأيك فيمن يقول كذا وكذا؟ هل هذا الكلام أصح أم لا؟ أما كونك تسميه زعمًا وتسميه دعوى، أو يقول: ما رأيك في بعض الناس الذين انحرفوا عن سواء السبيل فصاروا يفعلون كذا أو يفعلون كذا أو يفعلون كذا؟ إذًا أنت عارف الجواب، وقد بان من سؤالك أنك تعرف الجواب وتريد جوابًا موجهًا كما يقولون، فالسؤال موجه وليس سؤالًا بريئًا، وهذه أيضًا يمكن أن تضاف إلى آداب السؤال وهو: أن يكون السؤال غير موجَّه يقصد من ورائه الاسترشاد فقط لا غير، وليس يقصد من ورائه أيَّ هدف أو مقصد من المقاصد التى أشرت إليها.
أسأل الله أن يوفقني وإياكم لما يحب ويرضى.