السؤالفضيلة الشيخ! كلنا يعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: {بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء!} هل نحن الآن في غربة الإسلام؟ أي هل عادت غربة الإسلام في وقتنا الحاضر؟ كما أرجو حث الحاضرين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
الجوابأما الغربة فنعم: وهذا زمان الصبر من لك بالتي كقبض على جمر فتنجو من البلا فهذا زمان الغربة، وهذا زمان من أزمنة غربة الدين، ولكن يلاحظ في ذلك أمور: أولًا: أن هذه الغربة قد تندفع كما اندفعت الغربة الأولى، والذي أخبرنا بأن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا أخبرنا -عليه الصلاة والسلام- بأن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها، وهناك خط اسمه خط الغربة، ويقابله خط آخر اسمه خط التجديد هذه واحدة ثانيًا: أن الغربة درجات وليست درجة واحدة، وكما أن الليل يأتي تدريجيًا حتى تظلم الدنيا ويستحكم، فكذلك النهار فإنه ينبثق شيئًا فشيئًا، وما يزال الإسفار حتى تشرق الشمس على الدنيا كلها، فالآن نحن في زمن غربة لكن لم تستحكم الغربة استحكامًا تامًا، فإن الغربة تستحكم، كما قال بعض أهل العلم:"إن هذا الدين ينتهي بواحد كما بدأ بواحد".
تستحكم الغربة تمامًا في آخر الزمان حين لا يبقى إلا أفراد قلائل، إن قالوا لم يسمع لقولهم، وإن أمروا لم يطاعوا، وإن نهوا لم يطاعوا، وإن دعوا لم يستجب لهم، أي لم يستجب الناس لدعوتهم، فحينئذٍ يرحمهم الله تعالى فيقبض أرواحهم، فلا يبقى إلا شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، فذلك هو زمان الغربة المستحكمة التامة التي أخبر عنها الرسول عليه الصلاة والسلام أيضًا في أحاديث.
أما مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي أحد الوسائل لدفع الغربة، وقد تكلمت عن هذا الموضوع في كتاب سيخرج إن شاء الله في نهاية هذا الشهر عنوانه"من وسائل دفع الغربة"، وخصصت فيه فصلًا مطولًا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو من أقوى وسائل دفع الغربة، لأننا إذا سكتنا عن المنكرات استحكمت وصارت عرفًا مألوفًا معروفًا ينشأ عليه الصغير ويهرم عليه الكبير، فمن أنكره قيل له:"أنكرت مألوفًا معروفًا"أو"أنكرت السنة"أيضًا؛ لأن الناس تعودوا عليه وعرفوه، ولكن نقاومه حتى لو لم نستطع إزالته.
بعض الناس إذا تكلم خطيب عن الربا قال له: يا أخي! لماذا تتكلم عن الربا وهذه البنوك ببناياتها الضخمة ومؤسساتها وموظفيها وأعمالها تحارب الله تعالى ورسوله، وهي ضاربة الجذور في التربة ومأذون بها، بل محروسة بقوة السلطان وبقوة السلاح وبقوة الإذن، فلماذا تتكلم؟ لا! يا أخي تكلم ولو لم يأتِ من كلامك إلا أن يظل الناس يعرفون أن هذا الربا حرام، لكان ذلك مسوغًا للكلام وعدم الصمت، فضلًا عن أنه كما قال الله تعالى: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال:42] .