إننا نلاحظ أن المسلمين إذا نزلت بهم مصيبة يسرعون إلى نداء ومخاطبة الأموات، إما على سبيل الجد، وإما على سبيل التعبير والكناية والمجاز، فكم من مسلم إذا احترق بيته، بدلًا من أن يقوم هو بالإطفاء أو ينادي المطافي، تجده يصرخ يا فلان يا عبد القادر، يا علي، يا حسين، يا فلان، يا علان، يريد من هؤلاء الأموات الرفات الذين هم في قبورهم؛ أن يهبوا من نومهم ويسرعوا بليات المطافي؛ حتى يطفئوا هذا الحريق الذي اشتعل في بيته!! إذا نزلت به مصيبة من مرض، أو فقر، أو فقد ولد؛ تراه ينادي الأموات.
ومن جهة أخرى تجد بعض المسلمين يعبرون -لكنه تعبير له دلالته- عن شعورهم بالأسف من الواقع بنداء الأموات، مثلًا: امرأة تقول الشعر، لاحظت ما تعانيه الأمة الإسلامية من فقر ومرض وتخلف وجهل وذل إلى غير ذلك، فبدلًا من أن تنادي نفسها، وتنادي أخواتها ومثيلاتها، وتنادي المسلمين، كما قالت المسلمة الأولى لما أهينت واضطهدت قالت: وامعتصماه، تصرخ بـ المعتصم الحاكم في بغداد، فيقول المعتصم: قد أجبتك، ويجهز جيشًا قوامه مائة ألف، ويذهب إلى عمورية حتى يفتحها.
تسعون ألفًا كآساد الشرى نضجت جلودهم قبل نضج التين والعنب يا يوم وقعة عمورية انصرفت عنك المنى حفلًا معسولة الحلب بدلًا من ذلك أصبحت تنادي من؟: تنادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تخاطبه وتقول: يا مرسلًا جاء للدنيا فأنقذها من البلاء وعافاها من السقم اذكر لربك أنا أمة جهلت قادها الجهل للبأساء والعدم واحد آخر شعره بائس خبيث مخبث، وهو الشاعر المشهور قباني، له قصيدة في لحظة من لحظات يقظته وانتباهه وصحوته من السكر الدائم المزمن، قصيدة طويلة جميلة، يتكلم فيها عن واقع الأمة الإسلامية، وما حل بها من النكبات والمصائب، ويقول ضمن هذه القصية: وقبر خالد في حمص تلامسه فيرجف القبر من زواره غضبًا يا رب حي رخام القبر مسكنه ورب ميت على أقدامه انتصب يا بن الوليد ألا سيف تؤجره فإن أسيافنا قد أصبحت خشبًا يا بن الوليد - رجعنا ننادي الأموات عجزنا عن الأحياء، فصرنا ننادي الأموات، يريد من خالد أن يقوم يؤجره سيفه المسلول الذي انتصر به في المعارك الإسلامية؛ لأن أسيافنا قد أصبحت خشبًا، وأذكر شاعرًا آخر كان ينادي صلاح الدين ويقول: قم يا صلاح الدين قم، وآخر يقول: قم يا صلاح الدين طهر أرضنا من كل ومن ماسوني.
المهم: صلاح الدين وخالد وغير خالد، والأموات كلهم لا ينفعون الإنسان شيئًا، ولا يغنون عنه من الله شيئًا، ولا يجوز للإنسان أن يدعوهم أو يناديهم -ليس مقصودي الآن هو الكلام عن هذه النقطة- لكن مقصودي أن أقول: لماذا أصبحنا ننادي الأموات؟! لأن الأحياء فقدنا ثقتنا فيهم، فقدنا شعورنا بقيمة الأحياء في الوقت الذي نشغل فيه بقيمة الأموات، نعرف ماذا صنع خالد بن الوليد، ونعرف ماذا صنع صلاح الدين، ونور الدين، وعماد الدين، ولذلك نناديهم نريد أن يجددوا لنا الأعمال، لماذا لا ننادي محمد وصالح وعلي وأحمد وإبراهيم من الأحياء الذين يعيشون على أقدامهم، لماذا لا نناديهم لأنهم أموات؟! يا رب حي رخام القبر مسكنه ورب ميت على أقدامه انتصب فنحن نشعر بأنه لا قيمة لهم ولا تأثير، ولا يحسون بالمسئولية فننادي غيرهم، هذه صورة تدلك على عدم شعورنا بالمسئولية تجاه هذه الأعمال.