من الصفات التي لابد أن يتحلى بها العالم وهي من أخلاقيات الربانيين: العزة بهذا العلم، والترفع عن الأغراض الدنيوية، ولهذا الله عز وجل قال في الآية نفسها: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} [آل عمران:79] فالذي أوتي الكتاب، وأوتي الحكم، ماذا ينظر إلى الدنيا؟ خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حرًا طليقًا حبيبا فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيدًا سليبا فالعالم الذي أوتي الكتاب والحكم يرى أن أهل الدنيا في وادٍ وهو في وادٍ آخر، مثل ما كان يقول ابن تيمية رحمه الله: ماذا يصنع بي الأعداء؟! إن سجني خلوة، وإخراجي من بلدي سياحة، وقتلي شهادة، فأنا في وادٍ وهم في واد، والعز بن عبد السلام لما قيل له: تعال قبل رأس السلطان من أجل أن يسامحك ويعفو عنك تبسم وقال: مساكين! أنتم في واد وأنا في واد، أنا ما أرضى أن السلطان يأتي ويقبل يدي، فكيف أنا أقبل يده؟! وسيد قطب رحمه الله لما قيل له: اكتب كلمة اعتذار ونسمح عنك عن الإعدام، قال: إن السبابة التي تشهد أن لا إله إلا الله لا يمكن أن تكتب كلمة واحدة تقر بها حكم طاغية.
فالذي أوتي الكتاب، وأوتي العلم، وأوتي الحكم -أي: الحكمة والفهم عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم- يترفع عن أعراض الدنيا وسفاسفها.
ثم أن الله تعالى قال: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران:79] منسوبون إلى الرب، والربانيون من أهل الآخرة، الدنيا قد يملكونها بمال أو غير ذلك، ولكنها عندهم مثل الفراش الذي يقعد عليه، ومثل الحمار الذي يركبه، يستخدمه ولا يخدمه، يستخدمون الدنيا ولا يخدمونها فهم ليسوا عبيدًا لها، ولهذا ازدروا الدنيا ورأوا أنها ليست أهلًا لأن يريقوا شرفهم من أجلها، هذا الشافعي رحمه الله يقول: ومن يذق الدنيا فإني طعمتها وسيق إلينا عذبها وعذابها فما هي إلا جيفة مستحيلة عليها كلاب همهن اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلمًا لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها وكما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله: {دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس} ، فتكسب محبة الله تعالى ومحبة خلقه بأن تجعل الدنيا تحت قدميك، ومع ذلك سوف تكون من أحسن الناس دنيًا، أي قيمة لأموال طائلة موجودة في الرصيد لإنسان يُقِّتر على نفسه وولده.
إذًا لماذا تجمع الدنيا، هذه العزة والترفع تكسب الإنسان الهيبة عند العامة والخاصة؛ لأنهم يعرفون علو همة هذا الإنسان، وأنه ينظر إليهم فيرثي لحالهم، ويعرفون -أيضًا- أن هذا الإنسان من الصعب أن يصطاد.
ولهذا وضع بعض الخلفاء للعلماء طعمًا من الدنيا، أعطى هذا أرضًا، وأعطى هذا مالًا، وأعطى هذا ولاية، فقبلوا كلهم إلا واحدًا من العلماء -مع الأسف كان من علماء البدعة معتزليًا اسمه عمرو بن عبيد - رفض وما أخذ شيئًا نفض يده، فقال الخليفة يخاطب العلماء: كلكم يمشي رويدا كلكم يطلب صيدا غير عمرو بن عبيد عمرو بن عبيد هو الوحيد الذي ثبت أنه لا يريد الدنيا أبدًا، الدنيا تحت نعله لا يمكن أن يجامل من أجلها، فلذلك يكسب العالم بعزته يكسب هيبة الخاصة والعامة من أهل الدنيا وأهل الرياسة, وأهل المال، وأهل الجاه، وغيرهم.
ولهذا من القصائد المشهورة المعروفة التي تساق في هذا المجال كلمة وقصيدة للإمام القاضي الجرجاني التي يقول فيها وهي قصيدة طويلة: يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلًا عن موقف الذل أحجما أرى الناس من داناهم هان عندهم ومن أكرمته عزة النفس أكرما ولم أقضِ حق العلم إن كان كلما بدا طمع صيرته لي سلما ما هذا حق العلم أن تجعله سلمًا إلى لمطامع الدنيوية.
أأشقى به غرسًا وأجنيه ذلة إذن فاتباع الجهل قد كان أحزما وإني إذا ما فاتني الأمر لم أبت أقلب كفي إثره متندما إذا قيل هذا منهلٌ قلت قد أرى ولكن نفس الحر تحتمل الظما ولم أبتذل في خدمه العلم مهجتي لأخدم من لاقيت لكن لأخدما يقول: أنا عزيز لا أذل العلم.
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما ولكن أهانوه فهان، هان وهانوا معه.
العالم الذي يجلس عند رجل في مجلسه، فإذا قام قام معه وإذا قعد قعد معه، أي قيمة لعلمه، العالم الذي يدخل على قوم لديهم يسمعون ما يسوء ولا يجوز، فلما رأوه قاموا احترامًا وتقديرًا له، فأغلقوا مصدر الصوت، فبدلًا من أن يفرح بذلك اتجه إليهم يوبخهم ويعاتبهم، ويقول لمن أغلق مصدر الصوت: لماذا تفعل؟ إذا كنت أنت لا تريده فغيرك يريده دعه وما كان عليه.