وأهم الاهتمامات وأولى الوسائل رفع اهتماماتنا من الأمور الفرعية إلى الأمور الكلية، في كل شيء، وإن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها، في كل شيء، حتى في اهتماماتنا الدنيوية، حتى في أعمالنا، فقبل أن أصل إلى الأشياء، أود أن أتكلم عما نراه في الحياة، في أعمالنا، في تجارتنا، في زراعتنا، في أعمالنا، لا نأخذ أعمال الدنيا القريبة، لتكن اهتماماتنا عالية، هممنا راقية، حتى نستطيع أن نؤثر في المجتمع، أما إذا كانت اهتماماتنا في الأشياء البسيطة، وجُل تفكيرنا مقصور فيها، فإننا لا نستطيع أن نُغيِّر، لو انتقلت بكم بعيدًا في التاريخ إلى سقوط الأندلس، لوجدت أن كل واحد من الناس يقول لك: من أسباب السقوط ملوك الطوائف، الذين انشغل بعضهم في بعض، ما انشغل هؤلاء الملوك بعضهم في بعض؛ إلاَّ وقد انشغل شعبهم من قبل بعضهم في بعض، انشغلوا بأشياء لا تفيدهم، ولا تثمر لمجتمعهم، فانشغل أسيادهم، وكما تكونوا يولى عليكم.
الإسلام جاء بكل خير، نحن نقول ليس هناك شيء في الإسلام صغير، أو غير مهم، أو لا يدعى إليه، أو نتنازل عن شيء من السنة أيًا كانت، ما دُمنا نستطيع تطبيق السنة، فلا يوجد شيء غير مهم، إذا كُنا لا ننتصر بتطبيق السنة، فهل ننتصر بترك السنة؟ هذا لا يمكن أبدًا، سواء أكانت سنة ظاهرة أم خفية، هذه السنن هي وقودنا وهي زادنا، ولا يمكن أن نتخلى عنها، أو نتنازل عنها، أو نفرط في الإسلام، أو نشدده، أو نجدع منه، ليس من حقنا أبدًا، الشيء القليل لو ركنَّا إلى أهل الباطل، يؤاخذنا ربنا عليه، لكن الوقت يختلف، والأمور تختلف، والاهتمامات تختلف، رأس الاهتمامات العقيدة، وإصلاح عقائد الناس واهتماماتهم ورفع شأنهم هذا رأس الأمور، أما أن تتحول اهتماماتنا إلى أشياء تفصيلية نضيع فيها جهودًا وأوقاتًا، وهي كلها اجتهادات من اجتهادات البشر الذين يصيبون ويخطئون، سواء أكانت اجتهادات بتنظيمات، أو في تخريجات لأحاديث نبوية، واستدلالات، ونجعل هذا هو جُل اهتمامنا، ونلزم الناس به، وهو اجتهاد فلان، وإن كان عالمًا جليلًا، لكنه اجتهاده، فلا نجعل هذا المحور هو كل قضايانا، وكل اجتهادنا وكأن ما في الدنيا شيء إلا هذا، ونترك أحاديث صريحة متواترة، فلو نظرت في الموجودين، لوجدت عددًا كثيرًا، أو الكل، أو الأغلب، يعرف عن أمور العبادات أشياء دقيقة وتفصيلية، ولكن إذا نظرت إلى فقه المعاملات، لوجدت جهلًا ذريعًا جدًا، أحاديث ربُما لم تمر عليها طيلة حياتك، لماذا؟ لأن اهتمام الوسط كان بهذه، والإسلام هو هذا وهو هذا، هو احبس حتى يمتلئ زرعك، وهو المال، وهو الاستثمار، وهو الدولة، وهو الشورى، وكل هذه موجودة في الإسلام، لماذا أغمضنا عنها عينًا، وفتحنا عينًا أخرى؟ صحيحُُ أن العبادات جُزء من حياتنا اليومية، لنعرف صلاتنا وصيامنا وزكاتنا، لكن أيضًا يجب ألا نغفل عن الجانب الثاني، عن تأثيرنا في المجتمع، عن وجودنا، إذًا يجب أن ترتفع اهتماماتنا، خصوصًا في مرحلة الأزمات، فإذا وجد عندنا من الدعاة الكثرة الكاثرة التي تجعلنا حتى دقائق الأعمال نوليها من الاهتمام الشيء الكثير، فهذا أمر محمود، ولنطمح إلى اليوم الذي تصل فيه الدعوة إلينا، ولكن إذا كان الدعاة كما تشاهدون، من القلة، وقلة الوقت أيضًا وغير ذلك، فهل معنى ذلك أن تنصرف الاهتمامات إلى الأشياء البسيطة؟ لا بد أن تكون اهتماماتنا عالية وقوية، وأن نهتم بالأشياء الأساسية، كاجتماع المسلمين مثلًا، ونصحهم وتناصحهم، واعتبار أنه ليس هناك شخص منزه عن الخطأ، والقبول من الشخص من صالح كلامه وحديثه وعمله والتعاون معه فيما هو سائر في هذا المجال، حتى لا يكون بعضنا سيفًا على بعض، ونكون أضعف ما نكون على الأعداء دائمًا إذا كان الناس مشغولون بجبهتهم الداخلية، فهم أضعف الناس عن مواجهة أعدائهم، أما إذا استطاعوا أن يحصنوا جبهتهم الداخلية ويعرف كل واحدٍ مقدار نفسه، ومقدار غيره، فلا يتقدم على غيره، ولا يحتقر نفسه في مجاله، كلٌ يؤدي ما هو مطلوب منه، عندئذٍ نستطيع أن نُربي أنفسنا، ونربي المجتمع، ونعرف أن كل واحدٍ منا يقوم بدور مهم، ولننظر إلى مثال بسيط من الأمثلة:- جاء أحد الصحابة رضي الله عنهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فسأل عنه، فقالوا: هو في حديقة بني فلان، فذهب، فقال: لأكونن حاجب رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم، وجاء أبو بكر وعمر ودخلوا، فكل واحد عرف مكانه ودوره، وليس دور هذا يختلف عن دور هذا أبدًا، فكل ميسر لما خلق له، والرسول صلى الله عليه وسلم لما جاء وافتقد المرأة! ماذا كانت تعمل؟ كانت تقم المسجد، أين هي؟ فذهب عليه الصلاة والسلام يصلي عليها، لا يوجد إنسان دوره غير مهم، سواء أكان رئيس الدولة أم خادمًا في المدرسة، كله سواء، وقد ينال الشخص الأضعف من الأجر أضعاف أضعاف ما ينال ذاك، لأن هذا خفت عليه المئونة، وهذا ثقلت عليه، وكلٌ بحسابه، إن قام بها فالأجر لمن كانت مئونته كبيرة كثير، وإن فرط فالوزر كبير أيضًا، وهذا الذي في عمل صغير، إن فرط فالوزر قليل لأن، الحمل ضعيف أصلًا، وإن أجاد فالأجر كثير.
فليس هناك شخص غير مهم، المهم أن تتوحد اهتماماتنا، وأن تترفع اهتماماتنا عن الأشياء الصغيرة، ألا يكون همنا نقد فلان، أو عدد أخطاء فلان، كما يقول أحد الدعاة: لو بدأنا بهذا المشروع، هذا فيه كذا وهذا كذا، ما وجدنا في العالم الإسلامي ثلاثة أشخاص تتفق عليهم الكلمة، فنحن بحاجة لرفع الهمة، لأننا اليوم نواجه أعداءً من كل مكان، نحن بحاجة إلى الالتحام على عقيدة سلفية، ودعوة محمدية، ونصرة للسنة، بكل ما فيها، وتطبيق لها بحذافيرها، وأن ندعو الناس إليها، لكن أيضًا لو نظرنا للأحاديث التي وردت لوجدنا أن هناك اختلافًا كثيرًا، فيما ورد في هذا الباب وما ورد في غيره، فيما ورد في هذه القضية، وما ورد في غيرها.
وأترك لفضيلة الشيخ ليتحدث عن الوسيلة الثانية: نعم أفاد وأجاد الشيخ محمد فيما قال -بارك الله فيه- في قضية ضرورة ترشيد الاهتمامات وتصحيحها، وأن يُعطى كل شيء قدره، فإن الله عز وجل بعث رسوله صلى الله عليه وسلم بالحكمة.
والحكمة: وضع الشيء في موضعه، وإعطاء كل ذي حق حقه، ونهى الله عز وجل عن الظلم ومن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، أو البخس، كما قال الله عز وجل: {ولم تظلم منه شيئًا وفجرنا خلالهما نهرًا} [الكهف:33] .
فالبخس والنقص من الظلم، سواء بالنسبة للأشخاص مثلًا أم بالنسبة للأعمال، بالنسبة للأشخاص تجد أننا نحن المسلمين كما قال فينا أبو فراس الحمداني: ونحن أناس لا توسُط بيننا لنا الصدرُ دُون العالمينَ أو القبرُ فليس عندنا أنصاف حلول؛ إما أن يكون هذا إبليسًا، أو يكون قديسًا كما يقولون، ما عندنا إنسان فيه خير وشر، وفيه هدى وانحراف، وفيه صلاح وفساد، ما نعرف هذا، فإما أن نبجل هذا الإنسان ونجعله كأنه كاملًا لا نقص فيه، فإذا وجدنا عليه خطأً أنزلناه إلى الحضيض، أما بالنسبة للأعمال فكذلك؛ إما أن يعمل الإنسان ما يظن أنه العمل الكامل المقبول، أو يقصر تقصيرًا كبيرًا، بحجة أنه لم يستطع القيام بالتكاليف الشرعية، مع أنه من الممكن -بل من الواجب- أن يتمسك الإنسان بما يستطيعه أو يقدر عليه من الأمور والأعمال الصالحة، ويستغفر الله من تقصيره أو خطأه أو معاصيه؛ ويحاول أن يحسن وضعه مع الوقت.