المسلم -مثلًا- حين يسافر إلى بلد معين، يشاهد مشاهد ومرائي ويرى مباني ومنشآت ومساكن، ويرى جسورًا وقصورًا وأمورًا كثيرة، ما الذي يلفت نظره؟! خذ نموذجًا، أم سلمة وأم حبيبة والحديث في البخاري ومسلم، ذهبتا فيمن ذهب إلى الحبشة وبعد ذلك رجعوا إلى المدينة المنورة، فماذا حدَّثت أم سلمة وأم حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما رأيا؟ حدثتاه عن كنيسة رأينها بأرض الحبشة، يقال لها: ماريه، وما في هذه الكنيسة من التصاوير.
إذًا الذي لفت نظر أمهات المؤمنين معبد للنصارى توضع فيه التصاوير، كيف يصورون مريم، ويصورون عيسى، ويعلقونها في معبدهم؟ هذا أمر غريب!! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {أولئك قوم إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله عز وجل} .
كذلك حديث جابر، وقد ذكره الذهبي في مختصر العلو للعلي الغفار، وهو عند ابن حبان، وابن ماجة وغيرهم، أن بعض المسلمين لما جاءوا من الحبشة أيضًا سألهم الرسول صلى الله عليه وسلم: {ما الذي أعجبكم بالحبشة؟} هم الآن لم يذهبوا سواحًا، ولكنهم ذهبوا مهاجرين، لكن ما هي مشاعرهم؟ ما الذي يلفت انتباههم؟ ما هي اهتماماتهم؟ فواحد منهم قال: [[الأمر الذي لفت نظري وأعجبني، أنى رأيت عجوزًا تحمل قربةً على ظهرها، فجاءها شابٌ مراهق طائش فدفعها، فسقطت هذه القربة، فالتفتت إليه هذه العجوز وقالت: سوف تعلم يا غُدر إذا نزل الله تعالى يوم القيامة لفصل القضاء، وعرف كل إنسانٍ ما له، ووفيت النفوس ما كسبت، كيف يكون جزاؤك] ] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {صدقت صدقت، لا قُدست أمةٌ لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع} .
إذًا القضية التي لفتت نظرهم، مشهد من مشاهد الاعتداء على كرامة الإنسان من جهة، والظلم والتعدي، ولو لامرأة عجوزٍ ضعيفة، ومن جهة أخرى: العجب من معتقد هذه العجوز، فإنها تعتقد عقيدة صحيحة أن الله تعالى سوف يبعث الأولين والآخرين، وسوف ينزل يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، وسوف يجزي الظالمين بما كسبوا، فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم وصدقها بما قالت، وقال: {لا قدست -أي: لا بوركت، لا بقيت- أمة لا يأخذ الضعيف فيها من القوي حقه غير متعتع} أي: لا يتلجلج ولا يتردد، ولا يعيَ بالكلام، بل يتكلم بلغةٍ قوية فصيحة، لأن الحق أنطقه.
لكن لو نظرنا إلى مشاعر السواح من المسلمين اليوم، قد تجد مسلمًا يسيح في بلاد الأرض، فماذا يلفت نظره؟ يلفت نظره المباني، وجمال الطبيعة، والجبال والأنهار والمشاهد والمظاهر والصور، هذه الأشياء كون الإنسان يعجب بها أو يستحسنها، هذا أمر فطري، لكن لماذا لا يكون شعور المسلم أعظم من ذلك؟ لماذا لا يتعجب المسلم -مثلًا- من فقدان الإنسانية التي عنده؟ أو يتعجب المسلم من التقدم الذي أدركوه في مجالات الصناعة والعلم ولم يدركه المسلمون، ويفكر كيف يصل المسلمون إلى ذلك ليحققوا لدينهم نصرًا، يمنعهم من كيد عدوهم.
أو يفكر في المؤامرات وفي الخطط الصليبية التنصيرية، التي تسعى إلى تحويل المسلمين إلى نصارى في إفريقيا، وفى أندونيسيا، وفى غيرها.
المهم أن الإنسان عندما يكون مشغولًا بأمر فكلما رأى شيئًا فإنه يربطه بذلك الأمر الذي يشغل باله، فالإنسان الذي كل همه، سرور عينه، أو سرور أذنه، أو سرور قلبه، تجد أنه لا يلفت نظره إلا مظاهر الطبيعة وجمالها، أما سوى ذلك فكأنه لا يعنيه في قليل ولا في كثير.