كثير من الناس يفهمون الشق الأول ويغفلون عن الشق الثاني, يفهمون ترك المشتبه بالمحرم أو بالمكروه, لكن يغفلون عن فعل المشتبه بالواجب أو المشتبه بالمستحب, وأحيانًا يكون في المسألة جانبان: إما هذا وإما هذا.
بمعنى: أن أمامك أمر يشتبه أن يكون محرمًا ويشتبه أن يكون واجبًا, وربما يكون وجوبه أقوى من تحريمه -على سبيل المثال- لو فرضنا أن رجلًا على أبيه المتوفى ديون ثقيلة، وحصل لهذا الرجل أموال طائلة, ووقع عنده شبهة يسيرة: أنه قد يكون هذا المال مصدره غير سليم.
مثلًا: وقع عنده شبهه أن يكون الشخص الذي أعطاه هذا المال قد حصل عليه بطريق الشر, فهذه الشبهة جعلت في المتورع شعور أنه ينبغي أن يترك هذا المال وأن يتخلص منه, على سبيل الورع, لكن ماذا وقع بالمقابل؟ وقع في أمر يشتبه أن يكون واجبًا, بل هو واجب, فقضاء دينه أو دين أبيه المتوفى إذا أمكنه ذلك واجب عليه, وهذا المال الذي في يد، إن تركه على سبيل التورع, يكون قد تورع من جهة، لكن وقع في ضعف الورع من جهة ثانية، وهي: قضاء الذي عليه في ذمة أبيه المتوفى, ففي هذه الحالة ينبغي للإنسان أن يرجع إلى قضية مهمة -سبق الكلام عليها مرارًا- وهي قضية المصلحة والمفسدة ومراعاتهما في الشريعة, وأن الإسلام جاء بتحصيل المصالح وتكميلها, وتقليل المفاسد وتعطيلها.
ولذلك قال الإمام ابن تيمية في الجزء العاشر من الفتاوى في (ص:511) يقول كلمة مهمة في هذا الباب: (وتمام الورع أن يعلم الإنسان خير الخيرين وشر الشرين, ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها, وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية؛ فقد يدع واجبات ويفعل المحرمات، ويرى ذلك من الورع) .
نعم من لم يدرك قضية المصلحة والمفسدة قد يدع واجبًا، وهو يتصور أن هذا من الورع, وقد يفعل محرمًا وهو يتصور أن هذا من الورع, كما في المثال السابق.
ومثال آخر، وهو: قضية من يترك الجهاد مع أئمة الجور, لماذا ترك الجهاد معهم؟! لأنه تورع لجورهم وظلمهم وفسادهم, لكنه وقع في أمر أقل ما يقال فيه أنه مستحب، وقد يكون واجبًا وهو الجهاد, فهو فر من أمر، ووقع في أعظم منه!