إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: ففي مستهل هذا الدرس، أرجو لنفسي ولإخواني أن نكون ممن قبل الله تعالى منهم أعمالهم الصالحة، فكان قبولها سببًا في زيادة أعمال أخرى، من صيام الست من شوال، والمحافظة على الوتر، أو ما تيسر من قيام الليل، فإن من علامة قبول الحسنة، الحسنة بعدها.
أما موضوع هذه الليلة فهو عن: (التثبت والتبين في النقل) وسأتحدث عن هذا الموضوع في عدة نقاط: الأولى منها: عن أهمية الموضوع، والموضوع لا شك في غاية الأهمية، لأنه ما من إنسان إلا وأكثر ما يشتغل منه لسانه، فقد يكون الإنسان أحيانًا طريح الفراش، راقدًا على سريره سنين طوالًا لا يتحرك منه شيء، لكن لسانه لا يفتر إما بذكر الله تعالى، وإما بغير ذلك؛ ولهذا كانت آداب اللسان من أهم الآداب التي يجب أن يعتني بها الإنسان -كما سبقت الإشارة لذلك في مطلع درس الصمت والمنطق ومن آداب اللسان قضيةُ وجوب التثبت والتبين فيما يقوله الإنسان أو فيما ينقله عن الناس.
فإننا نجد في واقع الناس اليوم تساهلًا في ذلك وتفريطًا كبيرًا، فإن أغلب الناس يتساهلون في نقل ما يسمعون من الأحكام الشرعية والأقوال الفقهية، والأخبار والأحداث وغيرها، سواء أكانت أمورًا متعلقة بالتأريخ، والأزمنة الماضية، أم أمورًا متعلقة بالواقع الحاضر، وسواء أكانت مما يتعلق بالأحكام -والحلال والحرام- أم كانت مما يتعلق بالأشخاص: من علماء، أو عامة، أو زعماء، أو مشاهير، أو غيرهم.
تجد الناس يفيضون في هذه الأحاديث دون أن يردعهم رادع أو يزجرهم زاجر، وكلما كان الإنسان أكثر جهلًا، كان أجرأ على الكلام والخبط والهجوم على مثل هذه الأمور، وللإسلام في ذلك منهج واضح صريح، لابد من بيانه، وهذه هي النقطة الثانية.