أمر خامس: هو ضرورة الخروج من المظالم ونصر المظلومين، أيها الإخوة: يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في حديث متفق عليه عن أنس: {انصر أخاك ظالما أو مظلوما} قال يا رسول: هذا أنصره إذا كان مظلومًا، فكيف أنصره إذا كان ظالمًا؟ قال: {تحجزه وتمنعه عن الظلم فإن ذلك نصره} فينبغي أن نكون جميعًا في نصرة المظلومين منا، ونأخذ بحقهم بقدر ما نستطيع، ونتكلم في قضاياهم، وندافع عن مصالحهم مهما كان الذي ظلمهم، وأيضًا ننصر الظالمين؛ ليس بإعانتهم على ظلمهم وتأييد ما وقعوا فيه، وإنما بمنعهم من الظلم، وأن نقول لهم كلمة الحق لا نخاف في الله تعالى لومة لائم، ولهذا جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع} ولما جاءت أم سلمة من الحبشة، سألها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أعجب أمر رأته بالحبشة، فقالت: {يا رسول الله: رأيت امرأة عجوزًا تحمل قربة على ظهرها، فجاء شاب طائش فضربها وأسقطها، وسقطت القربة وانتثر الماء، فقامت هذه العجوز وقالت له: ستعلم يا غدر- أي يا غادر- إذا نزل الله عز وجل يوم القيامة لفصل القضاء، كيف يكون جزاؤك} فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الكلام وقال: {صدقت صدقت، لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع} وفي حديث وإن كان فيه ضعف إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم.
فقد تودع منها .
إذًا: الأمة تهلك وتموت كغيرها إذا انتشر فيها الظلم، ولم يوجد من يغير الظلم، أو ينصر المظلومين، أو يقف إلى صفهم، مهما كان المظلوم، خذ -على سبيل المثال-: العمال.
العمال في مجتمعنا في كثير من الأحيان مظلومون، فقد يؤخر عنهم راتبهم، فلا يعطون رواتب أشهر متتابعة، وقد تبخس حقوقهم، وقد يظلمهم صاحب العمل، وقد يجور عليهم بالعمل، وقد يسيء معاملتهم، وقد يسكنهم -أحيانًًا- في صناديق أو أماكن لا تصلح حتى للحيوانات، أليسوا بشرًا؟! أليس عندهم إنسانية؟! خاصة أنهم قد يكونون مسلمين، أليس هذا صحيحًا؟! إذًا: لابد من أن نرفع الظلم عن المظلومين بكل وسيلة، ونعلم أن هذا من أسباب نصر الله -تبارك تعالى- لنا، وكذلك لابد أن نساعد الضعفاء والفقراء والمحتاجين والمعوزين، وأن نحرص على حقوقهم، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضًا في الحديث الصحيح: {ابغوني ضعفاءكم فإنما ترزقون وتنصرون -لاحظ وتنصرون- بضعفائكم بدعائهم واستغفارهم} يا أخي: لا تستخف بالصبي الصغير -مثلًا- وبالمرأة الضعيفة وبالعجوز أو الشيخ المسن وبالرجل الضعيف وبضعيف العقل وبالفقير وبالمسكين ولا تستخف بهؤلاء أو تنظر إليهم شزرًا، أولا تأبه بهم؛ لأن المقياس عند الله عز وجل ليس بهذه الأشياء الدنيوية أبدًا، هؤلاء يجب أن تعطيهم حقهم، وتحفظ لهم مكانتهم، وتقدرهم، وتحاول أن تساعدهم بقدر ما تستطيع.
اذهب يا أخي إلى الأحياء الشعبية في أي مدينة وانظر كيف يعيشون، تجد كثيرًا منهم قد لا يجدون لقمة العيش أحيانًا!! وإلى جوارهم أصحاب قصور عامرة وفارهة، يتقلبون في ألوان النعيم!! إن هذا من أسباب هلاك الأمم، وقد يسلط الله علينا عدونا، بسبب مثل هذه الأمور.
فيجب أن نفزع إلى الله تعالى أيضًا بتوبة نصوح من السكوت على ألوان الظلم، ونفزع إليه بتوبة نصوح، من عدم الاهتمام بشئون الفقراء والضعفاء، بل نهتم بهم ونرعى شئونهم، ولا نكل ذلك -مثلًا- إلى جمعية فقط، وإن كان للجمعية دور طيب، بل كل فرد منا ينبغي أن يحرص على أن يقوم بدوره في هذا السبيل، وهذه كلها أمور لابد من مراعاتها.
مع ذلك لابد من نصر الشعوب المظلومة، هذا في داخل البلد -مثلًا- أو الدولة، لكن حتى الشعوب الإسلامية المظلومة، لابد أن تتذكر أنه ربما تبتلى أمة، أو دولة ببلوى بسبب إهمالها لصرخات شعب من الشعوب، ربما شعب من الشعوب منذ سنين طويلة، يئن ويصرخ ونحن نسمع، هذا إذا كنا مؤمنين فعلًا بأن الله تعالى يعاقب، وهو يعاقب ولا شك، فرب شعب من الشعوب صرخ على مسمع منا، فما أغثناه، فاليوم نحن نسدد الدين، وجاء الدور علينا.
فيجب أن ندرك أن من واجبنا الخروج، والتوبة من معصية، وهي نصرنا للشعوب الإسلامية في كل مكان، وعدم تعزيزنا لمواقفها، ويجب أن نكف عن إيذاء هؤلاء المؤمنين على أقل تقدير، إن لم نقم بنصرهم، فلا أقل من أن نكف شرنا عنهم.
يا أخي: لا تتكلم في المسلمين كلامًا عامًا، نحو الشعب الفلاني فيه كذا وكذا، لا يجوز لك هذا، وإياك إياك أن تقبل ضيمًا لإخوانك المؤمنين أو تشهيرًا بهم! أليس من المحزن -أيها الإخوة- أن نعلن للناس فيلمًا يتكلم عن الشعب الأفغاني المجروح المطعون، الذي يعيش حربًا دموية منذ أكثر من عشر سنوات، أو اثنتي عشرة سنة مع عدو كافر كاسر، فيلمًا يتكلم عن هذا الشعب، ويصور نساءه بأن المرأة منهن لا هم لها إلا أن تكون في حضن الرجل؟! وهو من صناعة أعدائنا الكفار الأمريكان، أليس هذا خذلانًا لهذه الشعوب المؤمنة؟! هذا الفيلم عرض، وهو يباع في المحلات، كما حدثني أكثر من واحد من الإخوة.
إذًا ينبغي أن ننصر الشعوب الإسلامية المظلومة في كل مكان، وأن نصغي إلى صرخاتهم، وندرك بأن هذه الصرخات هي صرخات مظلومين، والله إن لم ننصرهم سنصبح مثلهم يومًا من الأيام، وربما يكون الأمر كما ترون، فعلينا أن نتوب إلى الله عز وجل من مثل هذا.
أيها الإخوة: لقد رأينا كيف أورثت الثروات أحقادًا، وأججت نارًا، وحركت ضغائن ومزقت شعوبًا، فلندرك أننا لو كنا كرماء على كافة المستويات، أفرادًا وجماعات وشعوبًا وحكومات، لو كنا كرماء مع المسلمين بشكل صحيح، وننصر قضايا المسلمين وقضايا الشعوب المسلمة المظلومة والمهضومة والمضطهدة، لو كان الأمر هكذا، لكان الأمر متغيرًا بالنسبة لنا.
فعلينا أن نتوب إلى الله عز وجل من الغفلة عن المظلومين، والمهضومين، والفقراء، سواء أكانوا بيننا أم كانوا في أي بلد آخر.