نمط آخر عبودية الإنسان لنفسه، أشار الله تعالى في مواضع من القرآن إلى عبودية الإنسان لنفسه فقال: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية:23] فعبودية الإنسان لنفسه تتخذ صورًا وأنماطًا شتى، منها -مثلًا- تعظيم النفس، والكبرياء، والعجب، والغرور الذي كان أصلًا في إبليس لما أمره الله تعالى بالسجود وكان يقول: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف:12] فأبى واستكبر وتعاظم في عين نفسه، ويقابل هذا الكبر والغرور في نفس الإنسان يقابله ازدراء الآخرين واحتقارهم؛ ولهذا فالشيطان حينما قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} [الأعراف:12] بالمقابل قال: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} [الإسراء:61] إذًا هو ادعى لنفسه القوة والخيرية، وادعى لآدم النقص وأنه مخلوق من طين، واستكبر فكان هذا من عبوديته لنفسه؛ ومن تعظيمه لنفسه ولهذا حكم الله سبحانه وتعالى عليه بالخلود في النار هو ومن تبعه من الجنة والناس أجمعين.
بل تصل عبودية الإنسان لنفسه إلى حد ادعاء الألوهية، وقد قال فرعون: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات:24] {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص:38] ما أكثر المتألهين وما أكثر الذين يفرحون بأن يمدحهم الناس بأوصاف الألوهية، وقد كان الحاكم بأمره يحضر الحفلات الكبيرة، فيقوم شاعره ابن هاني العبيدي فيقول له: ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار وكأنما أنت النبي محمد وكأنما أنصارك الأنصار والحاكم بأمره يهز رأسه طربًا وعجبًا من هذا المديح، وكانوا يعتقدون فعلًا -العبيديون- يعتقدون في حاكمهم أن الألوهية والعياذ بالله قد حلت فيه.
والطغيان والتسلط لا يقف عند حد أبدًا، فينظر الإنسان إلى نفسه كأنه من طينة غير طينة الناس، وأن الناس تنتهي مهمتهم عند التسبيح بحمده والتقديس له؛ بل يكفيهم شرفًا أن يصلوا إلى هذه الرتبة.
ومن أمثلة عبودية الإنسان لنفسه، عبوديته للشهوة في كافة صورها، شهوة الجسد -مثلًا- والركض وراء المرأة ووراء الشهوة، فتجدون -مثلًا- شاعرًا كـ نزار قباني كل شعره في المرأة حتى إنه له ديوانًا اسمه (أشهد أن لا امرأة إلا أنتِ) وهو بذلك يضاهي كلمة المسلمين التي يقولونها: أشهد أن لا إله إلا الله.
فعبودية الإنسان للشهوة تجعله رقيقًا لها يركض وراءها ويجعل روحه وماله بل ودينه والعياذ بالله يذبح على مذبح هذه الشهوة العارمة التي لا بد أن يحدها.