فهرس الكتاب

الصفحة 10360 من 10422

كان كثير من السلف يحرصون على استحضار النية في جميع أمورهم، حتى قال سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله: يسرني أن يكون لي في كل شيء نية، حتى في الأكل والنوم، فهكذا تربوا، أن يكون للإنسان نية فيما يأكل، أو نية حين ينام، وهذه النية التي كانوا يحرصون عليها في الأعمال المباحة، التي تقلب المباح إلى عمل قربة يؤجر عليه الإنسان، هذه النية لا تحتاج إلى تكلف، بل هي تكون من القلب الموصول بالله عز وجل، فكل قلب ارتبط بالله، وراقب الله أصبحت النية تنبعث منه.

لذلك يعجبني قول الإمام الشافعي -رحمه الله- وهو يعلم الناس العلم، وينشره بينهم، ويؤلف ويكتب، ويتحدث- يقول: وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم ولم ينسب إلي منه شيء، الله أكبر ما أعظم هذه الكلمة! والله إن كل من وقف أمامها يدرك عظمة هذا الإمام الشافعي -رحمه الله- يقول: وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم على أن ألا ينسب إلي منه حرف ويقول أيضًا: ما ناظرت أحدًا إلا وددت أن يظهر الله الحق على لسانه، على النقيض من الكثير من الناس تجد أنه قد يناظر شخصًا وهو يتمنى أن يخفق خصمه، وأن تظهر الحجة له عليه؛ حتى ينتصر.

لكن الشافعي لقوة إخلاصه كان يقول: ما ناظرت أحدًا وناقشته وجادلته إلا تمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه؛ لأنه كان في مناظراته طالب حق ما كان طالب علو في الأرض ولا فساد.

وليبشر مثل هذا بما أعد الله تعالى لهم {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص:83] وكأن النية تنبعث منهم عفوية وتلقائية، دون أن يحتاجوا إلى أن يتكلفوها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت