كثير من أجهزة الإعلام العالمية وعلى أثرها الأجهزة العربية، من إذاعة وتلفزة وصحافة وغيرها قد سخّرت نفسها للنيل من العلماء والمشايخ والدعاة إلى الله عز وجل والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، حتى -وأحلف بالله غير مستثني- أنها اليوم تنال منهم أكثر مما تنال من اليهود، وأكثر مما تنال من الأعداء الصرحاء للإسلام وللأمة، بل ربما تعتبر أن الكلام في اليهود يعتبر نوعًا من التطرف والغلو الذي أصبحوا يحاربونه الآن.
فقد أصبحت أجهزة الإعلام مسخرة للنيل من الدعاة، والنيل من العلماء، والنيل من رجال الدعوة الإسلامية، وشخصيات الأمة الإسلامية التي تمثل رموزًا للدعوة في كل مكان، يتكلمون فيهم بلا موازنة ولا ورع ولا تقوى، فأحيانًا يسمونهم بالأصوليين، ويقصدون بالأصولي الإنسان الذي يفهم الكتاب المقدس -لفظ عند النصارى بطبيعة الحال- يفهم الكتاب المقدس عندهم فهمًا حرفيًا، ولا يستخدم عقله في فهمه، هذا معنى أصولي، فهم يسمونهم -أحيانًا- بالأصوليين، وأحيانًا يلمزونهم بلفظ المتطرفين.
ونحن لسنا ننكر أنه قد يوجد في المسلمين من يكون عنده شيئًا من الغلو، كمن يكفر عامة المسلمين -مثلًا- أو من يزيد في الدين، وهذا موجود لا ننكره، لكن هؤلاء الذين يتكلمون في الصحافة والإعلام لا يخصصون فئةً معينة، ولا يقصدون أهل الغلو ولم يتكلموا في النيل من أولياء الله بكلام غيور يقصد تمييز الحق من الباطل، بل على النقيض من ذلك تكلموا في أولياء الله الحقيقيين كلام المنفر منهم، وكلام الذي يبغض الدين وأهله، ويحارب الإسلام وأهله ويعاديهم ليلًا ونهارًا، ويحاربهم سرًا وجهارًا.
فكلما رأوا من إنسان عملًا لا يعجبهم ولو كان ثابتًا بنص القرآن لمزوه بأنه متطرف.
على سبيل المثال: الذي يحارب السلام مع اليهود، وينكر الصلح معهم، وبيع أراضي المسلمين إليهم علانيةً، من خلال موائد الشرق والغرب في موسكو أو واشنطن أو غيرها، الذي ينكر ذلك أصبحوا يسمونه متطرفًا ولم يعرفوا أنهم بذلك أصبحوا هم المتطرفون في نظر أنفسهم، لأنهم بالأمس وقبل سنوات ليست بالبعيدة كانوا كلهم يعلنون في أجهزة إعلامهم رفضهم لهذا الصلح، ويعتبرون أن الحاكم الذي بدأ ذلك خائنٌ للأمة، وعميلٌ الغرب، فهاهم الآن قد مشوا على خطواته، واستحقوا الوصف الذي وصفوا به غيرهم، وإذا رأوا إنسانًا يلتزم بالسنة أو يدعو إليها، أو يبتعد عما حرم الله من المعاصي والمنكرات الظاهرة المشتهرة فسرعان ما يطلقون عليه لفظ المتطرف.
وإذا لم يجدوا فيه عيبًا، فإنه لا يعجزهم أبدًا أن يختلقوا عيبًا ويلصقونه به؛ ولأنهم يملكون أجهزة إعلامية فقد ينطلي هذا الأمر على الناس، فإن كثيرًا من الناس إذا رأوا أن الصحيفة قالت كذا، والإذاعة قالت كذا تصوروا أن هذا الأمر صحيح ولو لم يكن صحيحًا لما نشر في الصحيفة ولما قيل في الإذاعة، بل أشد من ذلك وأنكى أنهم يقلبون الحقائق ظهرًا على عقب، وأضرب لكم مثلًا من قلبهم للحقائق في بلدٍ مجاور في اليمن، وقبل أسابيع: كان هناك رجلٌ يرأس حزبًا من الأحزاب الاشتراكية المحاربة لله ولرسوله، وامرأته حمالة الحطب مثله على منهجه، وعلى طريقته، لكن الله تعالى أخرج من بين هذا الفرث والدم -أخرج من هذا الرجل وهذه المرأة- فتاةً صالحة متدينة مستقيمة، عرفت طريقها إلى الله تعالى، وآمنت بالله ورسله، وكانت من القانتين، فلم يطق أبوها وأمها صبرًا عليها، وآذوها وضايقوها وأحرجوها حتى أصبحت حياتها جحيمًا لا يكاد يطاق، فذهبت يومًا من الأيام إلى منزل إحدى صديقاتها من الفتيات المؤمنات، وهي بنت لأحد المشايخ الشيخ عبد المجيد الزنداني -وهو من علماء اليمن ودعاتها المعروفين- ذهبت عندها وباتت تلك الليلة عندها، وقالت لها: لم أعد أستطيع أن أعيش في مثل هذا الجو، لا أطيق أبدًا أن أصبر على مثل هذه الحياة، فقالت لها: وماذا تصنعين؟ قالت: إني سوف أنتحر، سوف أقتل نفسي، لقد سدّ والدي الباب أمامي، ثم كتبت ورقة أنني قمت بعملية قتل نفسي طوعًا واختيارًا، وأنا في كامل قواي العقلية، وفى كامل صحتي، وأستغفر الله تعالى وأتوب إليه من هذا الفعل، وما فعلت ذلك؛ إلا لأن والدي ووالدتي قد ضيقوا الطريق أمامي، وسدوا سبل العيش، وحاربوني في ديني، ونغصوا عليَّ حياتي فعرفت أنهم يريدون مني أو يريدون لي مصيرًا كهذا المصير، أو يريدون أن أنحرف عن الصراط المستقيم، ثم سلمت هذه الورقة إلى صديقتها، وصلت صلاة الفجر عندها، ثم خرجت وانتحرت ووجدت ميتة، فماذا قالت الصحف؟ -مع الأسف أحيانًا- صحف تصدر من هذا البلد، أو محسوبة ومنسوبة إلى هذه البلدة الذي يفترض فيه أنه يرفع راية الإسلام، ويدافع عن المستضعفين في كل مكان، ويحفظ حرمات المسلمين وحقوقهم، ويقول كلمة الحق وينطق بها، ويكون شهيدًا على الناس -بكل أسف- تخرج تلك الصحف، وتقول: إن المتطرفين في اليمن هم الذين قتلوا هذه الفتاه من أجل الإساءة إلى والديها، وبعد أيام تخرج تلك الوصية التي كتبتها البنت بخط يدها وتصور في كل وسائل الإعلام، ويراها الناس في الصحف مكتوبة بخط يدها، تعترف على والديها بأنهم هم السبب فيما جرى لها.
إذًا: من صور حرب الدعاة وحرب أولياء الله تعالى تسخير أجهزة الإعلام للكذب عليهم، والتزوير والافتراء، والدس الرخيص، وتشويه صورتهم، وإلصاق التهم بهم، وإذا وجد خطأٌ عند فئة، فإنها تسعى إلى تعميمه على الجميع مستغلة في ذلك بساطة الناس وغفلتهم، وحسن ظن الكثيرين منهم، فهذه الصورة من صور عداوة أولياء الله، وماذا ينتظر هؤلاء القوم من الإعلاميين وغير الإعلاميين إذا كان رب العالمين يحاربهم، فكيف تتناول طعامك؟! وكيف تشرب شرابك؟ وكيف تنام في مضجعك؟! وكيف يفر لك قرار أو يهدأ لك بال؟! والله قد آذنك بالحرب {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} [الطارق:15-17] أنت قد تعجل، وقد تقول: هذا فلان كذب ودس وافترى، ومع ذلك لا يزال حرًا طليقًا آمنًا سليمًا معافى، اصبر، الأمر أطول من ذلك، انتظر فالله تعالى يمهل ويملي للظالم، ولكن إذا أخذه لم يفلته كما في الصحيح {إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته} ثم تلا قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود:102] .