السؤالهل الحفظ مهمٌ في التعلم؟ وما وسائل تنميته؟
الجوابالحفظ لا شك في أهميته، بل إن الحفظ إذا أردنا أن نعرِّفه من حيث الأصل؛ فلا يمكن التعلم إلا بحفظ، ولا أعني بالضرورة حفظ المتونِ فقط، بل المهم أن يحتفظ الإنسان بالمعلومات، فالذي لا يحتفظ بالمعلومات لا يمكن أن يتعلم لأنه يسمع المعلومات ثم تطير منه، سواءً حفظها بحروفها وألفاظها، أو حفظ معانيها، فأصل الحفظ أساسي للتعلم، لكن الحفظ المتعارف عليه -وهو حفظ المتون والنصوص- هل له أهمية كبيرة؟ نعم الحفظ له أهميةً كبيرة، ومازال أهل العلم منذ القدم يوصون بتحفظ العلم وحفظه، ولذلك فإن على طالب العلم أن يحفظ بعض المتون المهمة في مجاله، وقبل ذلك ينبغي له أن يحفظ كتاب الله عز وجل، ثم يحفظ متنًا مختصرًا في السنة، ومتنًا مختصرًا في العلم الذي يبدأ به فقهًا كان، أو أصولًا، أو فرائض، أو نحوًا، أو غير ذلك.
فالحفظُ مهم، لكن بعض الناس يقول: أنا ضعيف الحفظ، فهل يعني ذلك أنني لا أتعلم؟ فأقول: هذا من الأخطاء الشائعة، لأسباب: أولًا: مع اعترافي بأهمية الحفظ -كما ذكرت لكم قبل قيل- فإن أهمية الحفظ في هذا العصر قلَّتْ عنها في أي عصرٍ مضى، لأن وسائل الوصول إلى النصوص، أصبحت ميسورة، فكل واحدٍ لديه مكتبة عامرة بألوان الكتب، فهذه نقطة.
ثانيًا: هناك فهارس دقيقة: فهارس في الأحاديث، وفي الأعلام، وفي الموضوعات دقيقة ومنوعة، ويستطيع الإنسان بواسطتها أن يصل إلى النص الذي يريد خلال مدةٍ وجيزةٍ جدًا.
ثالثًا: الناس الآن ينتظرون الانتفاع بما يسمى بجهاز الكمبيوتر في العلوم الشرعية وعلى رأسها السنة النبوية، وهذا الجهاز إذا وجد واستخدم، يتيسر ويتسنى للإنسان من خلاله الحصول على ما يريد من أسماء الرواة أو تراجمهم، أو الأسانيد، أو الأحاديث، أو الشواهد، أو المتون أو غيرها خلال لحظاتٍ وجيزة، كلها مبسوطةٌ أمامه، فبذلك أصبح الحفظ على أهميته الكبيرة ليس بالدرجة التي كان عليها من قبل، والتي كانت الكتب فيه قليلة، والوصول إليها متعسر إن لم يكن متعذرًا في بعض الأحوال، فهذه الأشياء تجعل الإنسان وإن كان ضعيف الحفظ إلا أنه ينبغي أن يهتم بالعلم، بشكلٍ عام.
وهناك أمرٌ آخر: وهو أنك قد تجد إنسانًا لديه حافظة قوية، فيصرف هذه الحافظة في أمورٍ قد تكون أقلَّ جدوى، فهذا إنسان مثلًا يحفظ كتاب تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر وتقريب التهذيب -كما تعرفون- كتابٌ في تراجم الرواة، يذكر اسم الراوي مميزًا وطبقته، ودرجته من حيث الجرح والتعديل، ومن روى له من الأئمة الستة، فحفظ الإنسان كتاب تقريب التهذيب هذا جيد، وليس هناك إشكال في حفظ تقريب التهذيب لكن المشكلة إن كان حفظ تقريب التهذيب على حساب غيره، فلا يصلح أن يحفظ الإنسانُ تقريب التهذيب وهو لم يحفظ بعد كتاب الله تعالى، أو لم يحفظ أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، وبلا شك أن حفظ مختصر صحيح البخاري أو مختصر صحيح مسلم أو بلوغ المرام أو عمدة الأحكام أو الأربعين النووية أو نحوها أفضل وأهم بكثيرٍ جدًا من حفظ تقريب التهذيب لأن تقريب التهذيب مطبوعٌ وفي كل بيت، وبإمكان الإنسان أن يصل إلى ترجمة -في تقريب التهذيب- أيَّ راوي في دقيقة واحدة، أو أقل من ذلك، ويعرف ماذا قال فيه ابن حجر، مع أن الحافظ قد لا يعتمد على حفظه في تقريب التهذيب لأنه ربما يشك في حفظه أحيانًا، فيحتاج إلى مراجعة المطبوع، إذًا ما استفدنا شيئًا في الحالة هذه.
ثم إن الأمة الإسلامية -أيها الإخوان- اليوم بحاجةٍ ماسة ماسة ماسة إلى فقهاء وعلماء يفقهون النصوص والقواعد والأصول، ويجيدون الاستنباط ليحلوا المشكلات الكبيرة التي تواجه الأمة.
وعامَّةُ الناس اليوم يحتاجون إلى الفقهاء، فلن تجد عاميًا يسألك ماذا قال ابن حجر في فلان؟ وماذا قال ابن حجر في فلان؟ وفلانٌ من أي طبقة؟ وفلانٌ من أي مرتبة؟ لن تجد عاميًا يسألك، بل لو سمعك تتكلم في هؤلاء قال: هؤلاء جالسون في المسجد يغتابون الناس، وربما تكلموا في أناسٍ قد حطوا رحالهم في الجنة منذ مئات السنين، لأنه لا يصدر هذه الأمور ولا يوردها، فعامة الناس لن يسألوا عن هذا الأمر، وخاصةُ الناس أيضًا لن يسألوا عنه، لأن الخاصة يسألون عن حكم الله ورسوله في الوقائع والنوازل التي ألمت بالمسلمين، فإذا التقيت بطبيبٍ سألك عن حكم -مثلًا- ما يسمى بطفل الأنبوب، وحكم بعض القضايا والمشاكل الطبية التي تقع، وعن أخطاء ومعاص توجد في كثيرٍ من المستشفيات كيف يتعامل معها الإنسان، كمسألة نقل الكلى، ومسألة نقل الأعضاء، والجنين المشوه، وحكم إسقاط الجنين، وحكم الإجهاض، وأحكامٌ كثيرة يسألك عنها، فإذا التقيت بمهندسٍ سألك عن مشاكل المهندسين، وإذا التقيت بتاجرٍ سألك عن القضايا التجارية والاقتصادية الحادثة، والمعاملات البنكية التي لم تكن موجودة في الماضي من حيثُ المصطلح، ومن حيث طبيعة المعاملة، وكثيرًا ما يتساءل عنها الناس.
وإذا التقيت بشابٍ يعمل في الدعوة إلى الله سألك عن بعض القضايا الواقعة التي يواجهها في حياته، وما حكم الله ورسوله فيها، فالناس يسألون غالبًا عن الحكم الشرعي، وهذا هو الذي يعنيهم، فاشتغال طالب العلم بمعرفة المتون والأحكام والقواعد والأصول أولى من اشتغاله بحفظ أشياء قد يحتاجها أو لا يحتاجها، ولو احتاجها لسهل عليه الوصول إليها في مصادرها بسهولة، فينتبه إلى هذا الأمر.
أما فيما يتعلق بالنقطة الأخيرة وهي مسألة وسائل تنمية الحفظ فكثيرة: أولًا: اختيار الوقت المناسب للحفظ، وقد ذكر أهل العلم أن أفضل أوقات للحفظ هي الأسحار.
ثانيًا: صفاء الذهن أثناء الحفظ.
ثالثًا: تكرار ما يريد الإنسان حفظه مرات حتى نُقل عن أبي إسحاق الشيرازي وهو من فقهاء الشافعية: أنه كان إذا أراد أن يلقي الدرس كرره مائتي مرة، وهو إمامٌ عالم أصوليٍ فقيه مشهورٌ عند الشافعية.
رابعًا: أن يربط الإنسان حفظه بعضه ببعض، فإذا أشكل عليه أمرٌ أو تشابه عليه شيءٌ حاول أن يوجد علاقات يتذكرها، مثلًا إذا أراد أن يحفظ مجموعةَ أشياء، أخذ أوائل هذه الكلمات وكون منها جملةً حفظها، وهذا مثلٌ، أو ربطها بأي أمرِ يسهّل عليه حفظ هذه الأشياء واستذكارها.
خامسًا: كذلك من وسائل الحفظ كثرة الحفظ، كما أن كثرة الأخذ والعطاء باليد تقوي العضو، كذلك كثرة حفظ الإنسان للأشياء تقوي الذاكرة عنده، والعكس بالعكس، إهمال الإنسان للذاكرة، وعدم اعتياده على الحفظ يقلل من قوة حافظته.
سادسًا: كما أن استغلال الإنسان لأول عمره؛ طفولته ثم شبابه، من أهم الأمور التي ينبغي التنبيه إليها، فالإنسان إذا كبر شاخت الذاكرة وهرُمت، وبعد الزواج والمشاكل والوظيفة والعمل يصبح الإنسان مشتت الذهن، ويقل تركيزه، لذلك من توفيق الله للشاب، بل للطفل أن يوفق بمن يوجه لاستغلال الطفولة في الحفظ، وهذا أمرٌ إن فاتنا نحن -أيها الإخوة- فلا ينبغي أن يفوت أولادنا.
وأوصيكم أيها الإخوة أن تحرصوا على تحفيظ أولادكم الأشياء المهمة منذ الطفولة، فالطفل من السهل عليه أن يحفظ، وإذا حفظ شيئًا فإنه لا ينساه، وكلنا نعلم أن ما حفظناه في الطفولة حتى لو تركناه وقتًا طويلًا دون مراجعة إذا عدنا إليه وجدناه كأنما حفظناه الساعة، فإن فاتنا ذلك فينبغي ألا يفوت أطفالنا وصغارنا، فعلينا أن نحفظهم ما يحتاجون إليه في كبرهم، وأذكر أنني رأيت في الحرم المكي يومًا صبيًا ربما عمره تسع سنوات أو دون ذلك وهو يحفظ القرآن الكريم ويحفظ بعض كتب السنة كموطأ مالك وغيره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.