فهرس الكتاب

الصفحة 10128 من 10422

سادسًا: أخي رأيت جزءًا من حديثكم عن المتدينين، بل إذا أردت أن أصارحك فقد أصبح المتدينون شغلكم الشاغل في كثير من بلاد الإسلام، وهمكم الأول، بل والأخير، ففي بعض الأصقاع النائية جند الجميع، حتى قوات الدفاع المدني لهذه المهمة! مهمة مطاردة المتدينين، وأنا محدثك عن المتدينين بصراحة، فقد كثر حديثكم عن أخطائهم: الأولى: المتدينون بشر من البشر، يخطئون ويصيبون، ولكنهم يخطئون قليلًا، ويصيبون كثيرًا، فصوابهم أكثر من خطئهم، ولكن افتراض الكمال فيهم غير وارد، فهم يجتهدون فيخطئون أحيانًا، وقد يخطئون من غير اجتهاد أحيانًا أخرى، ربما يظهر بمظهر المتدينين من ليس منهم على الحقيقة، ولكنه دعي لصيق فيهم تزيا بزيهم، ودخل مجالسهم وليس منهم، والناس ليس لهم إلا الظاهر، هذه واحدة فاعقد عليها إصبعك.

الثانية: أن مراقبة المتدينين وعد أنفاسهم، وحساب حركاتهم، سوف يجعل أخطاءهم دائمًا في الصورة، فالخطأ مهما صَغُر وَقَل يُعْرف، ويكشف، ويراقب، ويضبط، ثم يكبر، ويكثَّر، ويكتب، ويضخم وينشر، ويضم إلى نظيره ومثيله وقرينه حتى نجعل من الحبة قبة فيما يتعلق بالمتدينين.

وأنا ضارب لك مثلًا: افترض أن مسئولك سخط عليك يومًا من الأيام، ووجد عليك في نفسه وأبغضك وهو لا يخاف الله، فصار يتربص بك الدوائر، ويريد أن يؤذيك، وينتظر الساعات المباركة التي يقع منك الخطأ حتى يعاقبك وينتقم منك، أفيسرك أن يحدث هذا؟! كلا.

إذًا فيجب أن تأتي الناس بالذي تحب أن يؤتى به إليك، بل إنني أقول لك بصراحة إن بعض صواب المتدينين يتحول إلى خطأ بقطرة يضيفها متبرع من بعض أصحابك أو زملائك، فإذا حذر المتدين عن المعاصي وعقوباتها، قيل: تشويش، وإذا تكلم عن خطر الكفار، قيل: إثارة، وإذا تحدث عن مؤامرات العلمانيين قيل: مبالغة وتهويل، أو تفريق للصف، وتمزيق للمجتمع، وإذا أنكر منكرًا ظاهرًا واجب الإنكار، قيل: تشهير، وإذا نصح، قالوا: فضح!!! فأين المهرب؟! الثالثة: إنها سنة الله عز وجل، كما في حديث معاوية رضي الله عنه {لا تتبع عورات الناس فإنك إن تتبعت عوراتهم أفسدتهم، أو كدت تفسدهم} فالمتابعة والملاحقة هي نزع للثقة، وغرس لبذور الريبة والشك بينك وبين هؤلاء، ولا يمكن أبدًا أن أسمح لنفسي بأن أتجاوز في حق الآخرين، وأخطئ عليهم، وأتعدى، وألاحقهم، وأضرهم، وأتجسس عليهم، ثم أفترض في الناس دائمًا الصبر والتحمل والعفو، والإعراض وهدوء الأعصاب وطول النفس.

الرابعة: هناك أشياء صحيحة، لكنها تدخل في باب المسائل الشخصية، فمثلًا: ربما توجه أخي رجل الأمن نقدًا إلى نوعية اللباس الذي يلبسه المتدين، أو طريقته، أو مظهره الشخصي، هذه أمور لا تدل على شيء نعم.

حسنًا، لو كان المتدين -مثلًا- أعلى في ذلك، وفي صحيح مسلم {إن الله جميل يحب الجمال} ولكن أيضًا، لا تنسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كما في حديث أبي أمامة الحارثي عند أحمد وابن ماجة وهو صحيح، قال عليه الصلاة والسلام: {البذاذة من الإيمان} يعني التواضع في الملبس، وعدم الفخر أو المبالغة فيه.

ولا تنسى أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {رب أشعث أغبر، ذي طمرين، لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره} والحديث أصله في مسلم، وفي مسند أحمد، وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه.

أشعث أغبر ذي طمرين، لا يؤبه له، فشكله وملبسه وشعره وهندامه يجعل الناس يعرضون عنه، ولكنه ولي لو أقسم على الله في شيء لأجاب الله تعالى قسمه وأبره، ولو دعا الله أو سأله لأعطاه، فهل تريد أن يكون خصمك هذا، وهل تريد أن تسخر بمظهره وأنت تغفل عن مخبره، وقد يكون أقرب إلى الله تعالى زلفًا؟! الخامسة: فإنك تتحدث عن أخطاء المتدينين، أو على أقل تقدير تسمع زملاءك يتحدثون، ولكن اسمح لي أيها الأخ العزيز أن أسألك: ما حجم هذه الأخطاء الموجودة عند المتدينين بالقياس إلى الأخطاء الفادحة الموجودة عند غيرهم؟! ألم تسمع أو تقرأ عمن يسمى بوحش الدار البيضاء؟! رجل في أعلى المناصب هو مسئول في إدارة المباحث، في تلك المدينة المغربية الشهيرة، في أعلى الرتب والمناصب، فماذا كانت جريمته؟ ليست جريمته في ملبسه، أو في حذائه، أو في سيارته، إنها مجموعة من الجرائم المسجل منها على أشرطة الفيديو بالصورة والصوت يزيد على خمسمائة جريمة؛ يهتك فيها أعراض النساء، والرجال، ويتعدى عليهم، ويقتادهم بالقوة، ويغتصبهم، ويضع لهم الأحابيل، ويستخدم كل الإمكانيات التي تحت يده، وكل الأفراد الذين تحت سلطته، يستخدمهم في التمكين لهذه الجريمة، والحصول عليها.

ثم هو يعترف في المحكمة وعلى مرأى ومسمع من الناس، يعترف بأن الجرائم التي لم تسجل هي أكثر بكثير من الجرائم التي تم تسجيلها!! ثم هو ينتظر من المحكمة أن تعفو عنه لأن له أطفالًا صغارًا ينتظرونه في المنزل!! فهل غابت عن ذهنك هذه الجريمة المركبة العظيمة؟ وهل تظن ذلك الرجل كان يعمل بمفرده وهو يتسلم ذلك المنصب الرفيع؟! إنها لا تعدو أن تكون عينة لكثيرين ممن يحيطون به، أو يشبهونه!! ثم ألم تسمع أو تقرأ أيضًا عن تلك الفتاة الغجرية التي نشرت خبرها الصحف المصرية، وكيف تورط في علاقة الحب الحرام معها عليةُ القوم، وكبار المسئولين بما فيهم بعض رجال الأجهزة المسئولة عن الأمن، وكيف نشرت تلك الصحف الأخبار بالتفصيل؟! ألم تقع على مثل هذه الأخبار؟! وما هي إلا أشياء أو فضائح قليلة أصبح من المستحيل التستر عليها، أما الجرائم التي دون ذلك فحدث ولا حرج!!! لعلك سمعت خبرًا عن زميلك الذي قبض عليه في قضية أخلاقية، ثم تستر عليها بواسطة تدخل بعض الأطراف! فلماذا تريد أن يكون المتدينون صفحة بيضاء؟! أبدًا، وتغفل عن أنهم في الجملة أفضل ممن سواهم، وأن العبد لو تلفت إلى غيرهم حتى من زملائه، زملاء عمله أو معارفه، لوجد شرًا مستطيرًا، ولعلك أيضًا لم تنس تلك العصابة المتآمرة التي كانت تتعاطى المخدرات، وتبيعها، وتهربها، وتستغل مناصبها، وعلاقاتها في تحقيق ذلك والتستر عليه؟!! ثم إنك تعلم أن كثيرًا ممن حولك يرتكبون ما حرم الله عز وجل، في أمور غير مشروعة يفعلونها في حق الناس، دعك من التجسس على المفسدين، أو المجرمين، أو على أهل المخدرات، أو على أهل الجرائم، أو على من يخشى أن يزعزعوا الأمن.

ولكن ما بالك بغيرهم، والله عز وجل يقول: {وَلا تَجَسَّسُوا} [الحجرات:12] والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {من تسمع حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة} والآنك هو الرصاص المذاب، والحديث في صحيح البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت