من الحيل النفسية: طلب الكمال مع عدم السعي في تحصيله، فتجد الإنسان أحيانًا يفترض هدفًا عظيمًا وكبيرًا جدًا لا يستطيعه ولا يسعى إليه، وإنما يستحسر في نفسه ويدع العمل، وخذ بعض الأمثلة:- فمثلًا: يفترض المسلم اليوم وجود دولة إسلامية نظيفة ناضجة كاملة على الكتاب والسنة، يؤمر فيها بالمعروف، وينهى فيها عن المنكر، وتقام الحدود، ويمنع الربا ولا يوجد فيها منكر ولا معصية، ويدعى فيها إلى السنة، فيفترض دولة إسلامية كاملة من كل الجوانب، ثم ينظر إلى واقع العالم كله اليوم، فيجد أن هذا الأمر بعيد المنال، ثم يصبح عنده فيصبح عنده حيئذ نوع من الإستحسار ويترك العمل.
مثال آخر: إنسان بدأ في طلب العلم، فأحيانًا تبرز إلى ذهنه صورة عالم فقيه مفتٍ لا يسأل عن مسألة إلا أجاب فيها بالدليل والتعليل والتفصيل، وأحيانًا تبرز إلى ذهنه صورة ذلك الأديب الشاعر اللغوي المتكلم، وأحيانًا تبرز إلى ذهنه صورة ذلك الخطيب المتكلم الذي يهز أعواد المنابر، فتجد هذا الإنسان مشتتًا، يتصور أنه يمكن لأن يكون كل واحد من هؤلاء يتصور نفسه خطيبًا وداعية وعالمًا وشاعرًا، فيتصور أن هذا الأمر بعيد المنال، فيستحسر ويدع طلب العلم، لأن هذه الصورة التي رسمها هي صورة مثالية خيالية كمالية، قد لا يصل إليها أحد وقد لا تكون واقعة أصلًا أو ممكنة.
مثال ثالث: إنسان يتصور أنه مطالب بتربية الشعوب كلها على الإسلام قبل أن يتحقق للإسلام نصر، فيقول: متى نربي الشعوب كلها على الإسلام؟ الواحد منا يجلس -أحيانًا - سنوات يربي شخصًا على الإسلام أو أشخاصًا، وقد لا يتم له ما أراد فكيف تربى شعوب بأكملها؟ فيظن أن هذا أمر محال فيستحسر ويدع العمل، وينسى أنه ليس بالضرورة أن تكون تربية الشعوب كلها على المنهج الكامل أصولًا وفروعًا، واعتقادًا وسلوكًا، وعملًا، وعبادة في جميع الجوانب، هذه سنة الله في البشر أن فيهم وفيهم.
والرسول صلى الله عليه وسلم كما تعلم لما جاء إلى صلح الحديبية كان معه ألف وأربعمائة رجل، وفي فتح مكة زاد العدد.
فلم يُكَلّم أحدًا بعد الصلح يعقل إلا أسلم، وبعده في حنين خرج النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة آلاف مقاتل، وهؤلاء خلال فترة محدودة جدًا-أقل من سنتين- بطبيعة الحال لم يتلقوا من التربية قدرًا كبيرًا، ولهذا لما مروا على قوم ينوطون أسلحتهم على شجرة، قالوا: {يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، قال: إنها السنن قلتم: والذي نفسي بيده لقد قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة} .
ثم صلى بهم عليه الصلاة السلام على إثر سماء كانت من الليل، فقال: {هل تدرون ماذا قال ربكم؟! قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: قال الله: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فهذا كافر إلى آخر الحديث} المهم أنها تربية عامة، تربية جماهيرية على قدر معقول من الدين، وعلى قدر معين، ولا يلزم أن يكونوا كلهم في الدرجة العليا من الفهم والوعي والعلم والإدراك بل قد علم كل أناس مشربهم، وكل إنسان له سقف، وله مستوى يكفي أن يصل إليه.
مثلًا - عندما يتكلم إنسان أو يلقي محاضرة ويفترض في نفسه أن يحضر له جماهير غفيرة! فإذا جاء إلى المسجد وقد تعب، وأعد وجد أن الحضور صف أو صفان، أصيب بإحباط ونكسة، وتصور أن هذا العمل خطأ، فلماذا تفترض كمال العمل من البداية؟ لماذا لا تعود الناس القوة والجودة في الإعداد والتجديد والبذل؟ وسيتكاثر حولك الناس حتى ينتفعوا بك ويستفيدوا من علمك.
ومثل ذلك أو قريبًا منه قضية ترك العمل بحجة عدم صلاح النية، فتجد أحدهم يترك الأعمال، ويقول: أخاف من الرياء، وليس الحل هو ترك العمل؛ بل استمر في العمل، وجاهد نفسك على ترك الرياء، وصحح النية، وادع الله عز وجل، وقل كما علم الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر {اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا أعلمه وأستغفرك لما لا أعلمه} واستمر على العمل ولا يكن هذا سببًا في ترك العمل خشية فساد النية.