وفي هذه الليلة أود أن أقف عند قضية أساسية في العبادات جميعًا وهي قاعدة معروفة عند أهل العلم،"أن الأصل في العبادات التوقيف"كما"أن الأصل في المعاملات والعقود الإباحة"، وهذه قاعدة نفيسة ومهمة جدًا ونافعة للإنسان، فبالنسبة للعبادات لا يجوز للإنسان أن يخترع من نفسه عبادةً لم يأذن بها الله عز وجل، بل لو فعل لكان قد شرع في الدين ما لم يأذن به الله، فلم يكن لأحدٍ أن يتصرف في شأن الصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج زيادة أو نقصًا أو تقديمًا أو تأخيرًا أو غير ذلك، ليس لأحد أن يفعل هذا، بل هذه الأمور إنما تتلقى عن الشارع، ولا يلزم لها تعليل، بل هي كما يقول الأصوليون: غير معقولة المعنى، أو تعبدية، بمعنى أنه ليس في عقولنا نحن ما يبين لماذا كانت الظهر أربعًا، والعصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، والفجر ركعتين، ليس عندنا ما يدل على ذلك إلا أننا آمنا بالله جل وعلا، وصدّقنا رسوله صلى الله عليه وسلم، فجاءنا بهذا فقبلناه، هذا هو طريق معرفة العقائد وطريق معرفة العبادات، فمبناها على التوقيف والسمع والنقل لا غير، بخلاف المعاملات والعقود ونحوها، فإن الأصل فيها الإباحة والإذن إلا إذا ورد دليل على المنع منها، فلو فرض مثلًا أن الناس اخترعوا طريقة جديدة في المعاملة في البيع والشراء عقدًا جديدًا لم يكن موجودًا في عهد النبوة، وهذا العقد ليس فيه منع، ليس فيه ربًا ولا غرر ولا جهالة ولا ظلم ولا شيء يتعارض مع أصول الشريعة، فحينئذٍ نقول: هذا العقد مباح؛ كما ذكر الفقهاء ذلك في عقود كثيرة، فنقول: الأصل في العبادات التوقيف، والأصل في المعاملات والعقود ونحوها الإباحة والإذن.