ثانيًا: أن الإنسان يتشبع بما لم يفعل, فيدعي ما ليس له، ويقول: إنه فعل أشياء, فبزعم أنه هو فاتح السند والهند, وأنه صاحب المواقف المشهورة, وربما زعم أنه حصل له أذى في سبيل الله تعالى, فإذا تحدث مع من لا يعرفون تاريخه، قال: أنا كنت خطيبًا مفوهًا, وأنا سجنت في بلد كذا أربع سنوات في سبيل الله تعالى, وأنا أوذيت وكنت وكنت , ويصبح (كنتيًا) يتحدث عن تاريخ مضى أكثره كذب وأقله صحيح, وإنما يتشبع بهذه الأشياء أمام الناس حتى يحظى بالجاه والمنزلة، وهذا أخبث من الأول, لأنه جمع كما يقول المثل (حشفًا وسوء كيلة) فهو مرائي وكذاب في الوقت ذاته, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: {المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور} وربما ينتقل الإنسان من بلد إلى بلد آخر, ويصبح في بلد أهله، لا يعرفونه, فيقدم نفسه لهم، لا من خلال الأعمال الصالحة التي يعرفونه بها، ويثبت لهم حسن بلائه وجهاده وصبره، ولكن من خلال القيل والقال والدعاوى الفارغة، وكما قيل: والدعاوى ما لم يقيم عليها بينات أصحابها أدعياء ما مر هذا الإنسان يومًا من الأيام من عند حلقة أحد العلماء, أو سلم عليه في طريق عابر, أو صافحه أو قبَّل رأسه, فإذا جلس قال: أنا لازمت الشيخ الفلاني، وأخذت عنه من العلوم كذا وكذا، وكنت من أخلص تلاميذه، وكان يؤثرني على غيري, ويقدمني ويأذن لي في كل وقت وظرف.
أعرف شخصًا يدعي أنه يحفظ القرآن بالقراءات السبع، ويقول: تعلمت العلم على يد شيخي فلان وفلان! ويذكر أئمة العلم والفتيا والدعوة في هذا الزمان، والذي أعرفه من حاله أنه كذاب كبير, لا يجيد قراءة القرآن نظرًا فضلًا عن أن يحفظه، فضلًا عن أن يكون عارفًا بالقراءات أو غيرها.