الإنسان بطبيعته -كما قلت- عابد، وذلك منذ أول نزوله إلى هذه الأرض، ومن الجوانب التي تدل على عبودية الإنسان وحاجته إلى التدين، أنه يشعر بالضعف بطبيعته، فهو مخلوق ضعيف محتاج، وهو يرى من حوله من مظاهر الكون، والسحاب، والمطر، والعواصف، والرعود، والبروق، والزلازل، والبراكين، والجبال، والأشجار، والأنهار والأكوان، بل يرى المرض الذي ينزل به، وبولده، وبزوجته، وبحبيبه، فلا يملك له دفعًا، ويرى الموت الذي ينزل قضاءً محتومًا على الكبير والصغير، والمأمور والأمير، والمملوك والملك، والجميع ينزل عليهم كما قال الله عز وجل: {فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الواقعة:86-87] يعني: إن كنتم فعلًا صادقين أنه لا يوجد بعث ولا جزاء ولا حساب فهذا الآن الميت يحتضر وينزل به القضاء المحتوم، هل تستطيعون أن تدفعوا عنه؟! هيهات!!.
فالإنسان يشعر بضعفه، وقد خلق ضعيفًا محتاجًا، لذلك الله تعالى كمَّل ضعف الإنسان بالتدين، كما يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في كلمة مضيئة جميلة: [[إن في القلب شعثًا لا يلمه إلا الاجتماع على الله عز وجل وفقرًا لا يغنيه إلا دعاء الله -تعالى- والافتقار إليه، فإذا أعرض العبد عن ربه، أعرض الله تعالى عنه حتى لا يبالي في أي أودية الدنيا هلك] ] .
إذًا هذا الضعف الفطري الموجود في الإنسان، لا يمكن أن القوى المادية من الابتكارات والاختراعات والتقنية والصناعة، والتقدم العلمي والحضاري، والطب والاكتشافات، والأموال والصولجان، والشُرط والأعوان والحشود، لا يمكن أن تسد هذا الفقر الموجود عند الإنسان، فلا بد أن يرجع الإنسان إلى طبيعته يقول الله عز وجل: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام:94] إذًا يرجع الإنسان إلى طبيعته التي فطر عليها، بضعفه وبعجزه قال تعالى: {خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} [الروم:54] فالإنسان بدأ من الضعف ويعود إلى الضعف، والضعف أمرٌ ملازم للعبد لا مخلص له ولا مخرج منه.
أما النظريات الجاهلية فحدث ولا حرج، فمثلًا! في بعض الكتب والدراسات التي تتكلم عن قضية الأديان، يتكلمون عن تطور الأديان، ويعتقدون -لأنهم جاهليون ما استناروا بنور الوحي- أن الإنسان أول ما وجد على ظهر الأرض لم يكن هناك دين يرشده أو يوجهه، وكانت حوله هذه القوى الطبيعية التي لا يستطيع أن يواجهها، فكان يعبدها حتى إنهم زعموا أنه كان يعبد الطوطم، أو يعبد الحجر، أو الشجر، أو يعبد الأفلاك، أو ما شابه ذلك.
فيزعمون أن الإنسان أصله الشرك، والتوحيد طارئ عليه، والنظرة الإسلامية الصحيحة تنكر ذلك، وتقول: إن الإنسان أصله التوحيد، وإن الشرك طارئ عليه.
وعلى كل حال فالذين يتنكرون للأديان، مهما كثروا فهم قلة، ومنذ فجر التاريخ كم عدد الذين ينكرون وجود الله عز وجل؟! وكم عدد الذين لا يدينون بدين سماوي؟! إنهم شواذ، وأفراد قلائل لا وزن لهم ولا قيمة، لذلك كانوا على مدار التاريخ يستَخْفُون ويستترون.