وأنت تصوم في شهر رمضان أو في غيره، هل تتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه} .
من صام رمضان إيمانًا بوجوب الصيام، وإيمانًا بأنه من أركان الإسلام، وإيمانًا بأنه قربة إلى الملك العلام، واحتسابًا للأجر عند الله تعالى على ذلك الصيام، أي: أن الإنسان يجوع، يمسه الجوع ويمسه العطش، وقد يصيبه الصداع في رأسه، وقد يصيبه الضعف في بدنه؛ لكنه يفعل ذلك كله احتسابًا وهو يفرح به، يفرح بهذا الجوع، وبهذا العطش، يفرح بما يلقاه في سبيل الله؛ لأنه أثر العبادة، وقد كان الناس أهل الدنيا وأهل الماديات يفرح أحدهم بما يصيبه من أجل حبيبه.
إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرحٍ إذا أرضاكم ألمُ أفلا تقول هذا أنت لرب العالمين؟ إذا كان هذا الألم الذي تلقاه هو من أجل الله ولوجه الله واحتسابًا، فإنك تفرح وتُسَرُّ به؛ لأنه أثر العبادة، وهو يُرضي الربَّ جلَّ وعلا، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الحديث الصحيح المتفق عليه: {لَخَلُوفُ فَمِ الصائم أطيبُ عند الله من رِيح المسك} .
الرائحة الكريهة للناس، من أثر خلو المعدة من الطعام، أطيب عند رب العالمين من رائحة المسك الفواح.
وهكذا الحال بالنسبة للقيام، هل تقوم موافقة للناس أو معهم، أو استحسانًا لأصوات القراء الفضلاء؟ أم أنك تقوم ابتغاء ما عند الله، ورجاء أجره وثوابه، وتطلبًا لما أخبر به صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه، عن أبي هريرة: {من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه} قد يقول كثير من الإخوة: وهل يقوم الإنسان إلا إيمانًا واحتسابًا؟ فأقول: مع أن أكثر المصلين إنما يصلون إيمانًا واحتسابًا، والذين يأتون لغير ذلك من الأغراض، سواء كانت أغراضًا دنيوية، أم أغراضًا سيئة، هُم -بحمد الله- قليل، إلا أن الذين يأتون إيمانًا واحتسابًا، بينهم من التفاوت في المنازل بَون عظيم وفرق شاسع: فمنهم من يأتي بنية، ولكنها نية غامضة مبهمة غير محددة، ومنهم من يستحضر النية في كل عمل، وفي كل حركة، وفي كل ليلة، ويتذكر هذه الأحاديث، وهذا من بركة حضور مجالس الذكر، وسماع المواعظ، أن العبد إذا سمع ما وعد به الله تعالى، أو ما وعد به الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- كان إقباله على العمل والعبادة إقبالًا بصدق ونية واحتساب، وليس إقبالًا بحكم العادة والإلف.
ولهذا يقول الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه في كتاب الإيمان: باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحُسبة، ولكل امرئ ما نوى، يقول: فدخل فيه الإيمان كما سبق: {مَن قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله} والوضوء -كما سبق أيضًا- والصلاة -كما سبق- والزكاة، والحج، والصوم، والأحكام، كل ذلك إنما هو بالعمل والنية، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: {لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونِيَّة} .
ثم ساق البخاري -رحمه الله تعالى- قول الله تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} [الإسراء:84] .
كل يعمل على شاكلته أي: على نيته، فهذا يعمل للدنيا، وذاك يعمل للآخرة، العمل واحد والثمرة مختلفة، يَرِدُون موردًا واحدًا، ويَصْدُرون مصادر شتى، بينهم من الفروق كما بين المشرق والمغرب، أو كما بين السماء والأرض، بل كما بين الجنة والنار، ولذلك جاء في حديث عمر رضي الله عنه: {العمل بالنية} وفي لفظ: {إنما الأعمال بالنيات} .