الأمر الرابع الذي نلقي عليه أخطاءنا هو: قضية البيئة والمجتمع وانتشار الفساد فيها.
وهذا كثيرًا ما نتكلم عنه، فإذا كان هناك من يفعل عادة سيئة، كبيرة أو صغيرة، افترض أنه يدخن -مثلًا- لماذا؟ يقول: هذه عادة أخذناها من الوالد أو عن الزملاء أو عن الجيران، عادة تلقيناها.
وأصبح الواحد منا كأنه مجبور لا خيار له أمام هذه العادات المنتشرة، وكأن الإنسان حينئذٍ ليس له شخصية، ولا اختيار ولا رأي إنما هو إنسان يسمع ما يقوله له المجتمع وينفذ، وكأنه مرآة ينعكس عليها ما يقع في حال الناس.
وهذا -أيضًا- غير صحيح، بل نحن شاركنا في صنع هذه العادات من جهة وأوجدناها، ومن جهة أخرى استأثرناها وقبلناها.
كان هناك خطيب يتكلم على المنابر، وفي يوم من الأيام -على سبيل المثال- تكلم على قضية غلاء المهور، وكثيرًا ما ينصح الناس، ويؤكد عليهم ويلومهم ويعاتبهم ويسوق النصوص، وكان عنده بنت فجاء رجل يخطبها، فطلب منه مهرًا كبيرًا، فقال له: أنت أمس كنت تتكلم عن الموضوع هذا.
قال: وهل تريد أن تكون بنتي أقل من بنات الناس؟! أين الذي كنت تقوله لنا بالأمس؟! يقول: هذه عادات الناس وهذا المجتمع، إذا غير الناس أنا أغير!! إذًا من يعلق الجرس من يبدأ بالتغيير؟ هنا أصبحنا ندور -كما يقال- في حلقة مفرغة، ونستأثر بالعادات والظروف الاجتماعية والأوضاع القائمة، وكأننا نعيش في جبرية لا مفر لنا منها.
وحتى في الأمور الأخرى على مستوى أوسع، عندما ننظر -مثلًا- إلى قضية الاتجاهات العلمية، الأمة بحاجة إلى علماء، إلى أطباء إلى مهندسين إلى مخترعين ومبتكرين واقتصاديين، يحملون هم الإسلام قبل ذلك وبعده، كثير من الناس لا يهتمون بهذه القضايا ولا يكترثون لها؛ لأنهم استوفوا اتجاهاتهم من خلال نظرة المجتمع.
ومن خلال واقع الناس، وغفلوا عن الأمر الآخر، حتى أنك قد تجده -أحيانًا- متخصصًا ناجحًا في تخصصه، فيدع هذا التخصص ويتجه ليعمل عملًا يمكن أن يقوم به عشرون إنسان غيره، وهو يحمل تخصصًا نادرًا لم يهتم به؛ لأن المجتمع لم يكترث لهذا الأمر ولم يلتفت له.