فنحن نطالب بالتغيير دائمًا وأبدًا في كل المجالات لكن التغيير نحو الأصلح؛ لذلك هناك اتجاه كبير إلى تقليص المواد الشرعية في كافة المستويات، وفي بلادٍ كثيرة، وهناك -أيضًا- اتجاه إلى تسطيح هذه المعلومات الشرعية بحيث لا تكون معلومات عميقة ولا مؤثرة، وهناك اتجاه بالمقابل إلى تكثيف المواد العلمية واللغات الأجنبية وغيرها، وقد سمعت تقريرًا في إحدى الإذاعات قبل أيام يتكلم فيه عن رئيس دولة مغربية، وأنه يتكلم عن التعليم، وربما أشار إلى فكرة نقل التعليم، من التعليم باللغة العربية إلى التعليم باللغة الفرنسية، وكأن اللغة العربية كانت جناية حينما عُرِّب التعليم هناك، فهناك حماس للرجوع إلى عهد الاستعمار؛ ولذلك يفكرون بإعادة التعليم أو بعض قنواته -على الأقل- إلى اللغة الفرنسية.
وهذا خطر كبير دعاني إلى أن أقرأ عليكم جزءًا من مقال نشر في إحدى الصحف عن اللغات وخطرها، فيقول المقال الذي يتكلم عن تضحية الشعب الجزائري المسلم، من أجل فك الارتباط اللغوي والثقافي والفكري والاجتماعي والاقتصادي بالاستعمار الفرنسي:"وبعد خروج فرنسا قام الشعب باستبدال اللغة والثقافة العربية والإسلامية باللغة والثقافة الفرنسية؛ إيمانًا منهم بضرورة ذلك، وأن الاعتزاز باللغة والدين والثقافة والقيم الاجتماعية والأخلاقية لدى شعوب العالم أمر لا يحتمل المساومة، وأنه ضروري من أجل تلاحم الشعب بجميع فئاته وقبائله وزيادة ترابطه وتماسكه."
ففي ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا، ومعظم الدول الأوروبية، لا تجد فردًا من عامة الشعب يتكلم بغير لغته القومية، ويتنافسون فيما بينهم في نشر لغتهم وثقافتهم بين شعوب العالم الثالث؛ لأن التبعية الثقافية تعود عليهم بالفائدة الاقتصادية في صور أسواق مفتوحة، ومواد (خام) رخيصة، ومشاريع عمرانية وصناعية وزراعية؛ يجنون من ورائها المليارات من الدولارات، لكن الأمم المعتزة بتاريخها وحضارتها تأبى هذه التبعية الذليلة، وأوضح مثال أمامنا هي تجربة اليابان التي رفضت وبإصرار السماح للغات الأخرى بغزو بلادها، فلا تجد يابانيًا واحدًا سواء أكان إنسانًا عاديًا أم عالمًا متخصصًا، يتكلم بغير اليابانية داخل اليابان، فانتزعوا إعجاب العالم بهم، على شدة حرصهم في المحافظة على لغتهم الخاصة وخصوصيات مجتمعهم.
وهناك أمم أخرى على وجه البسيطة تساهلت في هذا الأمر، وأهملت لغتها الرسمية وخصوصيات شعبها وفتحت الأبواب على مصراعيها للغزو الفكري والثقافي، وكانت النتيجة الصراع بين أبناء الشعب الواحد، فاللغة العربية ليست أقل شأنًا من اللغة اليابانية والعبرية واللغات الأخرى، فلماذا نبتدع أمرًا لم تقره دولة من الدول؟! وإن بعض الدول العربية ابتليت بعمق التبعية الغربية فألغت تدريس اللغة الوافدة في المرحلة الابتدائية؛ لإحساسها العميق بأن التبعية الغربية لها خطورتها القصوى في مستقبل البلد، إن عقول أطفالنا ومشاعرهم في هذه المرحلة وشبابنا بحاجة إلى تشكيل وتأسيس على مبادئ العقيدة والدين وقيم الأخلاق، والاعتزاز بالحضارة والتاريخ الإسلامي، فكيف يطمئن الإنسان إلى أن فلذات الأكباد في أيدٍ أمينة تحقق المطلوب، ويرى ويسمع أن الذين سيقومون بتدريس اللغة -مثلًا- هم من غير العرب أو من غير المسلمين أحيانًا"."
فأقول: إن هذا التغيير في العالم العربي لمناهج التعليم هو تغيير عامٌ شامل، وإن هذا البلد نال حظه من هذا التغيير المستمر ولازالت هناك خطوات في مجال التغيير، وهذه المناهج ليس المسئول عنها هو المدرس فحسب، وليست المسئولة عنها الوزارة فحسب؛ بل هي مسئوليتنا جميعًا، فالمدرس مسئول لأنه يدرس هذه المواد، والطالب مسئول لأنه يتلقاها، والأب مسئول لأنه ولي أمر ابن يدرس في إحدى المدارس أو ابنة تدرس في إحدى المدارس، والقائمون على المناهج -القائمون على التطوير التربوي وعلى تغيير المناهج- هم -أيضًا- مسئولون عن ذلك، والمجتمع كله مسئول، والعلماء والدعاة مسئولون.
ولهذا ينبغي أن تتوحد كل هذه الجهات في معرفة نوع التغيير، ومن ثم الشكر إذا كان التغيير نحو الأفضل، فإذا وجدنا -مثلًا- عناية بالمواد الشرعية وإسناد هذه المواد إلى العلماء المختصين، وتكثيفًا لها وإبرازًا لأهميتها، فلا يسعنا إلا أن نتوجه بالشكر إلى من قاموا بمثل هذا العمل والثناء عليهم ونقول لهم: إن هذا ما كنا نتمناه، وبالمقابل حين نجد -مثلًا- تقليصًا للمادة الشرعية أو تغييرًا أو حذفًا لبعض المواد والنقاط المهمة ينبغي أن نكون فطنين، وأن يكون هناك مقارنة دائمة بين المناهج السابقة والحالية؛ ليعرف لماذا حذف هذا الأمر؟! وما الذي حذف؟! وما الذي أضيف؟! وبالتالي يكون هناك جسور مفتوحة للتواصل بين هذا المجتمع الذي يتعلم؛ وبين من يقومون بالتعليم، أو يقومون برسم المناهج لهذا المجتمع.