الواقع -والله تعالى أعلم- أن أبرز قضية في موضوع إطلاق النار هي قضية المليشيات التي كانت عمدة للحكومة الشيوعية السابقة في مقاومة المجاهدين وترسيخ دعائم الدولة الشيوعية, فلما تهاوت أركان الدولة الشيوعية، وكان هؤلاء المليشيات غالبهم من المرتزقة, الذين لا يدافعون عن مبدأ أو عقيدة، وإنما يبحثون عن الرزق، وقد يكون من بينهم من تكون لهم أوضاع غير محمودة.
وفي جريدة الحياة تحليل قوي جدًا عن هذه المليشيات، وأعدادها وأوضاعها ودوافعها، وتاريخها وغير ذلك.
فهذه المليشيات لما رأت تهاوي النظام السابق حاولت أن تسبق الأحداث؛ وبالتالي عملت نوعًا من التحالف مع بعض قادة المجاهدين, وخصوصًا مع أحمد شاه مسعود قائد الشمال التابع للجمعية الإسلامية, وانضمت المليشيات بقادتها من أمثال عبد الرشيد دوستم وغيره إلى طرف من أطراف المجاهدين, ومن المعلوم أن انضمامها إلى المجاهدين بكاملها لا يعني أنها تحولت إلى جيش إسلامي -كما تعبر بعض الصحف أحيانًا- أو إلى جنود مدافعين عن دين الله تعالى, فهي انضمت بقائدها ومقودها وبأوضاعها السابقة, والانضمام بذاته ليس أمرًا مشكلًا، بل هو قد يكفي المسلمين شر القتال لهم والمقاومة, ولكن الخطوة التي يجب أن تتبع ذلك هي أن يكون هناك أولًا دعوة إسلامية قوية في أوساط هذه المليشيات حتى تستقيم وتصلح على أمر الله, هذا أولًا.
وثانيًا: أنه يجب عدم الاعتماد عليها في حماية النظام الإسلامي الذي يجب أن يقوم في أفغانستان, ثم يجب التنبه إلى أن هذه المليشيات إذا وجدت في بلد بعينه كأن توجد في عاصمة ككابل -مثلًا- فإنها قد تشكل خطرًا اليوم أو غدًا على هذه الحكومة الفتية.
وفعلًا وجد شيء من المصادمة بين المليشيات والحزب الإسلامي بقيادة المهندس حكمتيار الذي أبى أن يدخل كابل إلا أن تسلم للمجاهدين أو يدخلها دخول الفاتحين, فصارت مناوشات بينه وبين تلك المليشيات وتكلمت الصحف الغربية والعربية عن هذا على أنه قتال بين المجاهدين, وبعد تدخل اتفق على وقف إطلاق النار, وقعه الحزب الإسلامي والجمعية الإسلامية، ووصلت إلي أوراق هذا الاتفاق، وصار هناك هدوء ولا يزال هناك هدوء إلى اليوم.
ولكن الأمر الغريب أن عدداًَ من قادة المليشيات رفضوا وقف إطلاق النار, وقالوا: لا بد من القضاء على جنود الحزب الإسلامي، وربما توافق هذا الميول مع ميول الرئيس الحالي المؤقت"مجددي"الذي لم يجد حرجًا أن يقول في مقابلة معه في محطة (cnn) الأمريكية: إن حكمتيار خصم لنا، وإنه يتحالف مع عدونا الشيوعي، وإنه يخالفنا ليس في الرأي فحسب؛ بل فيما هو أبعد من ذلك, بل يطالب بتجريد الحزب الإسلامي من السلاح، وإذا وجدوا أفرادًا من الحزب الإسلامي في وزارة من الوزارات وهم قد ألقوا السلاح لا يقاتلون ولا يحاربون، فإنهم يخرجونهم ويقولون: تم طردهم أو إخراجهم, وهذه في الواقع قضية تتطلب حلًا سريعًا؛ لأننا نعلم: أولًا: أن الحزب الإسلامي جزء من المجاهدين الذي قضى أكثر من ثلاثة عشر عامًا في القتال، ولعله من أكثر الأحزاب بلاءً إن لم يكن أكثرها فعلًا وقتالًا واستبسالًا, هذا أولًا.
ثانيًا: أننا نجد أن الغرب يكره الحزب الإسلامي وقائده، وهذا نعتبره نحن توثيقًا وتزكية؛ لأن هؤلاء الكافرين لا يحبون إلا من يكونُ أقرب إليهم وأكثر تسامحًا معهم, ولا يبغضون إلا من يكونُ أقوى في الحق وأصدق في حمل الدين وحمل المبدأ.
وثالثًا: لأن المليشيات هذه كانت شوكة في حلوق المجاهدين على مدى الفترة السابقة.
ورابعًا: لأن الحزب الإسلامي ينضم إليه عشرات الآلاف من المقاتلين, ويملك أعدادًا هائلة من الأسلحة.