وكذلك تسعى إلى تحالف محتمل مع الأقليات الدينية والعرقية في المنطقة؛ فمثلًا اليهود يسعون إلى استغلال النصارى في المنطقة، وأبرز مثال لذلك هو النصارى في لبنان فقد استطاعت إسرائيل أن تجندهم لمصلحتها، وكذلك حزب الكتائب وغيره في ذلك على حد سواء.
ولذلك استطاعت إسرائيل أن تعبث بلبنان كما يحلو لها، واستطاعت أن تقضي على المسلمين من الفلسطينيين وغيرهم، والمثال الآخر لتحالف إسرائيل مع النصارى هو: تحالفها مع نصارى الجنوب في السودان، فإن إسرائيل تدعم الثورة في الجنوب -ثورة جون قرنق وغيره- دعمًا بلا حدود، خاصة في الظروف الحاضرة وبعد وجود دولة في السودان ترفع شعار الإسلام، وبغض النظر عن أي شيء آخر في تلك الدولة؛ إلا أنها تنظر إليها إسرائيل على أنها جزء من الأصولية العربية التي ينبغي أن تحاربها، ولهذا لا غرابة أن تستميت إسرائيل ويستميت حلفاؤها من العرب أيضًا في دعم الثورة النصرانية في جنوب السودان.
كما تسعى إسرائيل إلى إقامة علاقة مع الدروز سواء في الجولان أو في غيره، وتسمح لهم في الانخراط في الجيش الإسرائيلي، وتعطيهم جنسيات إسرائيلية، وتسعى إلى تغيير عقولهم، وقد وجدت منهم تجاوبًا كبيرًا في ذلك، وحاولت إسرائيل أن تستغل الشيعة في لبنان بشتى المحاولات، وربما أن نجاحها في هذه المجالات أقل من نجاحها في المجالات الأخرى.
إذًا القضية الأولى والكبرى في قضية التطبيع هي أن إسرائيل تسعى إلى تغيير العقل والقلب العربي والمسلم لاستخراج روح العداوة والبغضاء لليهودي والكافر يهوديًا كان أو نصرانيًا، وإحلال روح المحبة والتعاطف والإنسانية محلها، وهذه القضية يجب أن نعيها جيدًا لأنها تتعلق بلب العقيدة وبصلب العقيدة، فإنني لا أعتقد أن مسلمًا واحدًا فضلًا عن داعية، فضلًا عن طالب علم، فضلًا عن عالم، يمكن أن يقول: إننا نستطيع أن نجلس مع اليهود على طاولة واحدة للمفاوضات في مثل هذه القضية، فقضية البغضاء لليهود قضية لا مساومة عليها، حتى لو انتصر اليهود، وزادت قوتهم، وملكوا السلاح والإمكانيات، فهذا كله شيء؛ لكن بقاء العقيدة الربانية في قلب المسلم التي تحمله على بغض اليهودي والكافر ولو كان يذبحه الآن، فهذه القضية لا يمكن المساومة عليها بأي حال من الأحول، وأول ما يهدف إليه التطبيع هو استخراج هذه العقيدة وإزالة روح العداء لليهود.
وهناك مجالات أخرى تكون تبعًا لذلك، ولعلي لا أستطيع أن أشير إلا إلى أقل القليل منها، ولعل عزائي في ذلك أني أسلفت قبل قليل أن ثمت مراجع يمكن الاستفادة منها.