ظاهرون على الناس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ما معنى الظهور؟ يبدو لي أن معنى الظهور يمكن أن يطلق على ثلاث معانٍ، كلها يحتملها الحديث, وكلها من خصائص الطائفة المنصورة.
المعنى الأول: الظهور بمعنى الوضوح والبيان, تقول: هذا شيء بيّن، أي ما فيه لَبْسٌ ولا خفاء, بمعنى أنهم معروفون، مثل الشمس، مثل القمر، وهل يخفى القمر؟! لا يخفى, فطبيعة المهمات لالطائفة المنصورة تقتضي أنهم معروفون؛ لأنهم يتحركون في وسط الأمة, فهم جزء منها، يتحركون من خلالها, لذلك أصبحوا معروفين مشهورين، فهم أشهر من نارٍ على علم, ليسوا يعملون في الظلام, وبضاعتهم يعرضونها في النهار، على مرأى ومسمع من الناس, القريب والبعيد, والعدو والصديق, بضاعتهم ظاهرة مكشوفة، ليس فيها لَبْسٌ ولا خفاء.
ولذلك فإنهم يشكلون تلاحمًا قويًا, وهذا معنى أرى أنه في غاية الخطورة والأهمية بالنسبة للداعية إلى الله عز وجل, يجب أن نتفطن لها, أن هذه الطائفة المنصورة جزء من الأمة، جزء من المجتمع, صحيحٌ أنها متميزةٌ بخصائص, لكن لا يعني هذا أن الطائفة المنصورة تستعلي على الأمة, وتنظر إلى الأمة شزرًا, تنظر من علو، تتسلط على الناس! لا, الطائفة المنصور تحاول أن تشتبك مع الناس, ليس اشتباكًا، أن تواجههم، بل تختلط معهم, تكون جزءًا منهم، فهي وهم كالجسد الواحد, وخذ بعض النصوص الشرعية التي تؤكد هذا المعنى.
مثلًا: التصدي لهموم الناس المعيشية القريبة, فالناس يحتاجون إلى من يتصدى لهمومهم, فعندهم قضايا مادية، فقر ومشكلات معينة، أو حاجات مادية، وظروف يعانونها، وصعوبات يواجهونها في الحياة, وضرائب تفرض عليهم, أشياء يجدون صعوبةً في التعامل معها, هذه قضايا قريبة تهم كل إنسان، حتى وإن كان متدينًا أو غير متدين, لذلك فإن الاهتمام بهذا الهم الذي يستطيع أن يسميه همًا جمهور الناس، هو أيضًا جزء من هم الطائفة المنصورة, حاجات الناس ومطالبهم الدنيوية التي يريدونها, هي جزء من مهمة الطائفة المنصورة, وجزء من الإحسان.
ولذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن في أحاديث كثيرة بعض الحقوق للمسلم على المسلم, مثل رد السلام, وعيادة المريض, وتشميت العاطس, ونصر المظلوم, حتى جاء في حديث أبي سعيد الخدري وغيره، قال النبي صلى الله عليه وسلم: {لا قُدِّسَت أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع} فالأمة التي تسلط فيها الظالمون والضعيف لا يستطيع أن يأخذ حقه, فهذه الأمة ليست أمة مقدسة، أمة آيلة إلى الزوال والفناء, وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بمناسبة قصة، وهي أن أم سلمة ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم قصة عجيبة رأتها في الحبشة قالت: يا رسول الله! حين كنا مهاجرين في الحبشة, جاءت امرأة عجوز تحمل قربة من الماء على ظهرها, فجاء شاب طائش مراهق, وضرب هذه القربة من وراءها، فسقطت منها، وسقطت العجوز, وهي مسكينة لا تملك طولًا ولا حولًا ولا قوة, فقامت ونظرت إلى هذا الشاب, وقالت له: ستعلم يا غُدَر، إذا نزل الله لفصل القضاء، كيف يكون جزاؤك, فتعجبت أم سلمة من كلام هذه المرأة، وإيمانها، ومعرفتها بأن الله ينزل يوم القيامة لفصل القضاء بين الناس! وأخبرت الرسول صلى الله عليه وسلم, فأقرها وقال: {صدقت لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف حقه غير متعتع} , وفي أحاديث أخرى: {إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم, فقد تُوُدِّعَ منها} , وهذه الأحاديث وإن كان في بعضها ضعف، إلا أنه يشد بعضه بعضًا ويوجد ما يشهد لها.
إذًا: دفع الظلم عن الناس، ونصر المظلوم، كما قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أنس: {انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا} قالوا: يا رسول الله! هذا نصره إذا كان مظلومًا، -إذًا عرف الأولون بالبديهة أن المظلوم ينصر على من ظلمه- فكيف أنصره ظالمًا؟! قال: {تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره} تمنعه وتحجزه من الظلم فإن ذلك نصره.
إذًا: المسلمون يعرفون أن نصر المظلوم من حقوق المسلم على المسلم, رفع الظلم عنه، وإعانة المحتاج، ورد السلام، وعيادة المريض، وتشميت العاطس، واتباع الجنائز, إذًا فهموم الناس اليومية ينبغي أن يشتغل بها أفراد الطائفة المنصورة، ويحرصوا أن يكونوا جوار الناس في هذه الهموم.
جانب آخر: فيما يتعلق باحتكاكهم بالناس: الطائفة المنصورة جزء من هذه الأمة، ظاهرون معروفون مشهورون, الوضوح في شخصياتهم، بحيث يعرفهم الناس ويثنون عليهم, وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسًا فمُرّ عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرًا, -فقالوا: هذا رجلٌ يقوم الليل, وقال آخر: هذا يصوم النهار, وقال آخر: أما إنه بار بوالديه, وقال رابع: كان محسنًا لجيرانه- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {وجبت وجبت وجبت} , ثم مُرّ بعد ذلك بجنازة أخرى فأثني عليها شرًا, قال أحدهم: هذا مؤذٍ لجيرانه, وقال آخر: عاقٌ لوالديه, وقال ثالث: لا يشهد الصلاة مع الجماعة, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {وجبت وجبت وجبت} قالوا: يا رسول الله! ما وجبت؟! قال: {هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة, وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت عليه النار, أنتم شهود الله في أرضه} , وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأله رجل: كيف أعرف يا رسول الله إذا كنت محسناًَ أو غير محسن؟ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: {إذا قال لك جيرانك أنت محسن فأنت محسن} , وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ما من مسلم يموت، يشهد له أربعة بالخير, إلا قبل الله تعالى شهادتهم فيه وغفر له ما لا يعلمون} قالوا: يا رسول الله! وثلاثة؟ قال: {وثلاثة} , قالوا: واثنان؟ قال: {واثنان} , ثم لم نسأله عن الواحد.
إذًا: شهادة الناس لأفراد الطائفة المنصورة بالخير هي جزء من خصائصها ومميزاتها وسماتها, وكيف شهد الناس لهم بالخير؟ لأنهم معلنون لدعوتهم، ومظهرون لها, ومعروفون بين الناس, يتحركون في وضوح النهار، مثل الهواء الطلق, فيعرف الناس بلاءهم وجهادهم، ويثنون عليهم بذلك.
جانب ثالث: ثناء هؤلاء الأفراد على المحسنين من الناس أيًا كانوا: فكما ذكرت ليس أفراد الطائفة المنصورة أمة مستعلية، تنظر إلى الناس بالعلو، وتحتقرهم؟! كلا, بل هم رفيقون بالناس، حريصون على هدايتهم, ولذلك وهم يتحسسون آلام الأمة، وإذا وجدوا صوابًا قالوا: هذا صواب, في صحيح البخاري أن رجلًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب الخمر, فيؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فيجلده, فأوتي به يومًا, وهم في المنزل فجلدوه بالجريد والنعال نحو من أربعين, وفي رواية قال رجل: (لعنك الله) أو لعنه الله, ما أكثر ما يؤتى به! كل مرة يأتينا وهو سكران, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: {لا تعينوا الشيطان على أخيكم، أما إنه ما عُلِم إلا أنه يحب الله ورسوله} , فالرسول صلى الله عليه وسلم يلقننا درسًا عظيمًا في الدعوة, وأسلوب التعامل مع الناس, الآن: نحن مع رجل فاسق، قد يكون تاب في حين شربه للخمر؛ لأنه يشرب الخمر وهي من الكبائر، وهو مصر عليها أيضًا, ولعله تاب فتاب الله عليه, لكنه كان مرتكبًا فسقًا، إن لم نقل فاسقًا فإنه مرتكب فسقًا ولا شك, وهذا كثير في نظر الكثيرين، بأنهم يهدرون كل ما له من حسنات, ولا يعتبرونها شيئًا, ولذلك لعنوه, فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: {لا تعينوا الشيطان على أخيكم} ثم أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالخير الذي يعلمه فيه، أنه يحب الله ورسوله.
إذًا: الطائفة المنصورة إذا وَجَدَتْ طيبًا هنا أثنت وقالت: هذا شيء طيب, فيجب أن يستمر ويبارك ولا يُزال, وإذا أحسن شخص, قالوا: أحسنت؛ لأنهم شهداء, والشاهد يجب أن يذكر الحسن والقبيح, ولهذا فإن الطائفة المنصورة منفتحة على الناس، والأمم، والجماعات, حتى على الطوائف والأحزاب، فإذا وجدنا -مثلًا- في أمة من الأمم، أو جماعة من الجماعات، أو حزب من الأحزاب، أو مؤسسة فيها شر, لكن فيها جانب خير أصابوا فيه، نقول لهم في هذا الموضع: أحسنتم, وهذا أمر تشكرون عليه، ويكون هذا ذريعة بأن ندعوهم إلى تبديل النقص الموجود عندهم, فإنك إذا أثنيت على الإنسان انفتحت نفسه لقبول الحق الذي تحمل، وقبول النصيحة منك.
جانب رابع: يتعلق في اختلاط هذه الطائفة بتلك الأمة, وهو أنهم ينزلون بدعوتهم إلى واقع الناس, ليسوا في بروج عاجية، يقولون: من يريدنا يأتي! لا, فهم ينزلون بالدعوة إلى واقع الناس, ينزل الداعية إلى البيت، فيدعو الوالدين والإخوة والأخوات بكافة الوسائل, وينزل إلى المسجد، فيدعو الناس، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر, ويعلمهم القرآن والسنة، وما أنزل الله على رسوله, ينزل بالدعوة إلى الحي، وإلى العائلة والأسرة التي ينتسب إليها, إلى زملائه الذين يدرسون معه، أو يعمل في الوظيفة معهم، بحيث إن الدعوة أصبحت روحًا يسري في الأمة كلها ويتخللها, وهذا جزء من الظهور الذي تتميز به الطائفة المنصورة, أما أنني لا أقول: إنه يلزم كل فرد بذلك, لكن الطائفة المنصورة إجمالًا، هذا جزء من عملها ومهمتها, فهي كالتاجر الماهر الذي عنده بضاعة يريد أن يسوقها, تجد أنه يستطيع -على أقل تقدير- أن يبث دعاية ناجحة لبضائعه, لذلك في البلاد الغربية يدفعون أحيانًا مئات الملايين على دعاية واحدة لسيارة, لماذا؟ لأنهم يعرفون أن هذه الدعاية، وإن بذلوا فيها ما بذلوا, إلا أنها تعود عليهم بالأرباح الطائلة الهائلة, وبعملية حسابية يدركون أنهم رابحون بهذه الدعاية.
كذلك الداعية يستطيع أن ينشر بين الناس بضاعته, بحيث يقبلون عليه عن رضا وطواعية واختيار, أو هو مثل الطبيب الرحيم، الذي لا يجلس في مكتبه ويقول: المريض متى شاء يأتيني! بل إذا وجد في الناس موتًا عامًا ومرضًا فإنه يخرج من مكتبه، وينزل إلى واقع الناس، فيدخل هذا البيت ويُمَر