الأمر الثالث: الذي تحقق به معنى انتمائك للإسلام وللإيمان، ومعنى انتمائك لهذه الأمة العظيمة: هو التفاعل مع كل قضايا المسلمين.
وأنت ترى وتسمع اليوم، ولعل آخر ما سمعنا تلك القصيدة الجميلة التي قرأها الأخ إبراهيم، وهي فعلًا قصيدة معبرة، وتعتبر نموذجًا من المشاركات، فكل إنسانٍ من موقعه يشارك, والتي تتحدث عن آلام الأمة الإسلامية اليوم، والتي أصبحت جسدًا ممزق الأوصالِ مليئًا بالجراح, كاد الأطباء أن يعجزوا عنه؛ ولكن لا يأس: {إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87] كلما اشتدت الخطوب كلما زدنا إيمانًا بقرب الفرج من الله عز وجل.
اشتدي أزمة تنفرج قد آذن ليلك بالبلج والفجر يطلع حينما يشتد الظلام، فأشد ظلام الليل هو قبيل الفجر, ثم يأذن الله تعالى بصبحٍ جديد للأمة.
إذًا هذه الآم والنكبات والمصائب التي يعيشها المسلمون في يوغسلافيا, والصومال, وأفغانستان, وبلاد المغرب, وبلاد روسيا, والهند، في كل بلاد الأرض إلا ما ندر، وهذه المصائب هي إيذانٌ بقرب الفرج, فهي كآلام المخاض -كما تعرفون- الولادة لها آلام, والأمة اليوم بدأت تعي وبدأت تدرك, وبدأت تتفاعل, وبدأ المسلم يعيش هموم إخوانه في كل مكان، ولهذا أصبحنا ندري بما يقع، أما في السابق فكانت الأمور كلها تقع ولا يدري بها أحد.
فمثلًا الذي يجري في البوسنة والهرسك ليس أمرًا جديدًا, خلال الحرب العالمية جرى أكثر منه, ولكن ما علم به أحد، لأن المسلمين كانوا أوصالًا ممزقة، لا يدري أحدٌ منهم بمصيبةٍ غيره, أما اليوم فأصبح المسلمون يسعون إلى أن يكونوا جسدًا واحدًا, وإلى أن يحققوا معنى الأخوة الإيمانية, وإلى أن يتمثلوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: {مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم؛ كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى} وبالتالي أصبح هذا الجسد يشعر بالألم ويحس بالوخز، بخلاف الماضي، فقد كان جسدًا أشبه بالمشلول، الذي لا يحس بوقع الألم عليه.
ولذلك علينا أن نتعاطف ونتفاعل مع أحوال إخواننا المسلمين في كل مكان, وأن نشارك بقدر ما نستطيع, ولا يحقر أحد منا نفسه, هذا يشارك في التوعية ونشر قضية المسلمين, وهذا يشاركُ بنشر التقارير عن أحوال المسلمين, وهذا يشاركُ بنشر القضية على مستوى معين, وهذا يشارك بجمع التبرعات, وهذا يشارك بخطبة, وهذا يشارك بكلمة, وهذا يشارك بورقة, وهذا وهذا , حتى نستطيع أن نكون مجتمعًا -فعلًا- يتفاعل مع قضايا المسلمين.
وقد رأيت كثيرًا من المسلمين من البلاد الأخرى، فوجدت أنهم يحملون أرفع المشاعر والأحاسيس تجاه المسلمين في هذه البلاد, لشعورهم بأنهم يتعاطفون معهم, ويتفاعلون مع قضاياهم، وأنهم يصغون آذانهم لكل صوتٍ يستصرخ ويستغيث من أصوات المسلمين، المصاب كبير، والخطب جلل؛ ولكن أعيذك بالله يا أخي الكريم! مهما كنت تعتقد إنك مقصر وعاص ومسرفٌ وضال …إلى آخره, أعيذك بالله أن تسلخ نفسك من جسد هذه الأمة, أو أن لا تتفاعل مع قضاياها, بل يجب أن يكون عندك قلب يتحرق لها ألمًا.