ومن الأشياء الملحوظة أيضًا في هذا الجانب: أن بعض المعاصرين قد يظن أن وصوله إلى التصدر والترؤس والسؤدد هو غاية النهاية في تحصيل العلوم والمعارف، فإذا صار فقيهًا وجلس للطلاب أو أفتى أو تكلم توقف عند ذلك تحصيله، وهذا أمر ملحوظ جدًا، ولذلك كان عمر رضي الله عنه خبيرًا بالنفوس حين كان يقول: [[تفقهوا قبل أن تسودوا] ] كما في سنن الدارمي وذكره البخاري في صحيحه، أي: أن الإنسان إذا صار سيدًا، سواء برئاسة دنيوية على قبيلة أو على بلد أو على عمل أو مؤسسة أو كانت رئاسة دينية وعلمية وشرعية، فإن فرصة الإنسان في التحصيل تقل، فقال: [[تفقهوا قبل أن تسودوا] ] وعقب الإمام أبو عبد الله البخاري على كلمة عمر هذه بقوله:"وبعد أن تسودوا"أي ليس فقط قبل أن تسودوا، وإنما أيضًا بعد السيادة ينبغي للإنسان أن يواصل في طلب العلم وتحصيله، مع أن من الملحوظ أن حركة العلم دائبة لا تنقطع.
ولعل من أبرز ما يدلل على هذا ما نلحظه اليوم في هذه النهضة العلمية، كم من مخطوط كان كثير من العلماء المشهورين يتمنون الحصول عليه في وقت من الأوقات أصبح الآن في متناول كل طالب، وتجده مطبوعًا محققًا مخدومًا رخيص الثمن، وكم من كتاب كانت المعلومات فيه غير مرتبة ككتب المسانيد مثلًا أو بعض كتب الثقات ككتاب الثقات لابن حبان وكتب التراجم أو غيرها، فكان العالم يجتهد في البحث عن طلبته وبغيته فلا يحصل عليها، وأصبح هذا اليوم ميسرًا لطلاب العلم، عن طريق هذه الفهارس التي أصبحت تعد بالمئات، بل ربما أكثر من ذلك.
كم من مسألة كانت مفرقة بين بطون الكتب في الماضي، فقيض الله في هذا العصر من يجمع أشتاتها وأطرافها في بحث واحد ويقربه للناس، وهذا لا يعني التزكية المطلقة لهذه الأشياء.
قد يقول بعضكم: ولكن كثيرًا من هذه التحقيقات والبحوث والفهارس فيها نقص وفيها وفيها؟ أقول: هذا صحيح، وليس المجال مجال توثيق أو تقويم لهذه الأعمال العلمية، إنما المقصود فقط الإشارة إلى أن حركة العلم في هذا العصر في تزايد مستمر ووسائل تحصيل العلم أصبحت ميسورة، فالتوقف عند حد معين ليس له ما يسوغه أو يبرره كما يقولون.