ثم علل هذا الأمر بإيجاب الصبر، علله بقوله: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور:48] أي: بمرأى منا، ونحن نبصرك، وهذا التعليل قوله: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) علاقته بقوله: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) ظاهرة جدًا وهي من حيث إن العبد إذا صبر، وعلم أن الله تعالى مطلع عليه، زاده ذلك صبرًا على ما يلقى، وصبرًا على الصبر أيضًا، فإن الصبر يحتاج إلى صبر، وإلا فقد يصبر الإنسان يومًا أو يومين، ثم ينفد هذا الصبر فيجزع، لكن إذا علم أنه بعين الله عز وجل وبرؤيته، زاده ذلك الأمر صبرًا، وزاده صبرًا على الصبر، وفي مقابل ذلك أيضًا فإن العبد إذا علم أن الله مطلع عليه، رأى أن ما يجرى له هو عين الحكمة، فإنه بالنسبة للمخلوق مثلًا لو حصلت له مصبية، ولم يجد من يساعده ربما قال: لو علم فلان بي، لأعانني على الخروج من ورطتي، أو لساعدني أو لأخذ بيدي، لكن إذا علم العبد أن الله عز وجل المطلع عليه يراه ويسمعه، ومع ذلك قضى وقدر أن يبقى العبد في مصيبته مثلًا، أو يبقى في محنته، هنا يعلم أن بقاءه في المصيبة والمحنة هو عين الحكمة، لأن الله تعالى يرى ويسمع ويعلم ما لا يعلمه العبيد، فيرضى العبد حينئذ ويسلم، لأنه يعلم أنه بين يدي اللطيف الخبير، ثم يتذكر العبد ثالثًا: أن كل مخالفة يقع فيها -سواء أكانت هذه المخالفة هي من الجزع على قدر الله عز وجل، أم كانت هي الاعتراض على شرعه- أنها ذنب عظيم يسخط الله عز وجل، والله تعالى يرى هذا الجزع وهذا الاعتراض ويسمعه ويعاقب عليه، فيكُف العبد عن كل ما يخطر في باله من ذلك، فهذا سر التعليل في قوله: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) ولذلك أعقبه بقوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور:48] .