فهرس الكتاب

الصفحة 5632 من 10422

ثالثًا: إن ذم الزمان وعيبه، فيه معنى تزكية النفس ومدحها، فإن ذمك أيها الإنسان للزمان، ربما يعني ذم أهل الزمان، وكأنك تخرج نفسك من دائرتهم، وتخص ذاتك بفضيلة ليست لهم نعم كانت عائشة رضي الله عنها وأرضاها تتمثل بقول لبيد: ذهب الذين أعيش في أكنافهم وبقيت في جلد كجلد الأجرب يتحدثون مخافة وملاذةً ويعاب قائلهم وإن لم يشغب كانت تقول ذلك؛ لكن! من يكون في مثل عائشة، ومن يكون في عيار عائشة؛ فضلًا وتقوىً ونبلًا وعلمًا وفصاحةً وعبادةً وإيمانًا، وإخلاصًا لله عز وجل؟! فحين يقول الواحد منا مثل هذا؛ كأنه يزكي نفسه ويمدح نفسه، والله تعالى يقول: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم:32] ويقول: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} [النساء:49] .

كما أن كثيرين قد أصابهم داء التعاظم وداء العجب، فهم يزكون أنفسهم ويدَّعون صلاح قلوبهم ونياتهم ومقاصدهم، فيقول الواحد منهم: علم الله تعالى صدق نيتي، وسلامة مقصدي، وحسن ما في قلبي؛ فرزقني كذا، وأعطاني كذا، ووفقني بكذا ثم يزكون آراءهم، وأعمالهم، واجتهاداتهم، فيقولون: لما علم الله تعالى منا الصدق؛ بارك في علمنا وإن كان قليلًا، وبارك في عملنا وإن كان قليلًا، وينسون أنهم مدحوا أنفسهم بشيء قد لا يكونون تحققوا به وهكذا يظن الإنسان في نفسه خيرًا كثيرًا، ثم يلجأ -بعد ذلك- إلى اعتزال الناس ومباعدتهم وتركهم لا لأنه يرى في نفسه عيبًا ونقصًا، ولا لأنه يقول: عجزت عن التأثير في الناس أو خفت على نفسي من الفساد، لا لهذا ولا ذاك؛ ولكن لأنه يرى أن الناس ليسوا أهلًا بأن يجالسهم، ولا أهلًا ليصحبهم، ولا أهلًا ليكون بينهم وهكذا ترى أنه أصابه نوع من التعاظم، وهذا الذي حذر منه الإمام ابن قتيبة رحمه الله، حين كان يقول: أحببت لك أن تجري على عادة السلف، في إرسال النفس على سجيتها، والرغبة بها عن لبس الرياء والتصنع، ولا تستشعر أن القوم قارفوا وتنزهت أنت، ولا أن القوم ثلموا وتورعت أنت، يعني: إياك إياك أن تظن أن الناس تلطخوا وأنت بريء، ووقعوا وأنت سالم، وارتكبوا بعض الموبقات والذنوب وأنت بعيدٌ عنها؛ فإن هذا داء العجب والكبر الذي ربما كان محبطًا للأعمال!!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت