بقي نقطة أخيرة في الموضوع، وهي: كيف نتناول هذا الحدث المؤلم؟ من الناس من يتجاهل هذا الأمر، فقد تأتي إلى خطيب وكل نفوس الناس مليئة مشتعلة في هذا الموضوع، فتأتي إلى خطيب فتجد كأنه قد أصم أذنيه ولم يسمع شيئًا، يتكلم عن موضوع بعيد عن الحدث، إما أن يتكلم تحت الأرض، فيما يتعلق بأحوال الآخرة والقبر والموت، وإما أن يتكلم فوق السماء فيما يتعلق بأمور الجنة والنار والبعث والحساب وغيرها.
كل هذه أمور حق، والكلام فيها حق، لكن ينبغي أن يستغل الإنسان فرصة كون النفوس متهيئة للوعظ والإرشاد والتوجيه، وأخذ الدروس والعبر من هذه الأحداث، ويطمئن الناس على هذا الأمر، فيكون مصدر طمأنينة للناس مصدر سكينة لنفوسهم، يحيي المعاني الإيمانية في قلوبهم كما ذكرت، يبين لهم المخاطر التي تهددهم، بحيث يكون الكلام متعلقًا بالواقع، أما أن نعيش أحداثًا مؤلمة تحرك قلوبناجميعًا ثم نأتي للمتحدث أو الخطيب؛ فنجدة يتكلم في وادٍ آخر، فهذا في الواقع ذهول وغيبوبة لا يجوز أن يقع المؤمن أو العالم أو الداعية ضحيتها.
فالإسلام هو دين للواقع، والقرآن الكريم جاء لينظم أمور الناس، وكذلك السنة النبوية، في كل شيء، حتى في علاقة الإنسان بزوجته، حتى في كيفية قضاء الحاجة، والأمور الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية قال الله تعالى: {وَنزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل:89] فليس صحيحًا أن نعزل الإسلام عن هذه الأمور، ولا نتكلم إلا في قضايا معينة، أمور الزهديات والوعظيات والأخرويات، هذه حق، ولكن غيرها حق أيضًا {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ} [البقرة:85] .
لا بد أن نتناول هذا الموضوع كما نتناول غيره، ليكون الطرق والحديد ساخن.
لكن كيف نتناول هذا الموضوع؟ إن من الخطأ أن نتحدث عن هذا الموضوع وكأننا نتحدث عن أمة أخرى أو شعب آخر، فنقول للحضور مثلًا: انظروا لما أصاب هؤلاء، إنه بسبب ذنوبهم، وانتبهوا أن يصيبكم ما أصابهم.
لا يصلح هذا الأسلوب في الطرق، يجب أن ندرك أن هذه مصيبة لنا جميعًا، ليست مصيبة لفئة دون فئة، ولا لفرد دون فرد، هي مصيبة للأمة كلها، وبناءً على ذلك؛ ينبغي أن نقول: إن ما أصابنا هوبسبب ذنوبنا، نحن المصابون، وهل نعتقد نحن حين نتكلم بضمير الغائب، أننا أقل من غيرنا ذنوبًا؟ بل بالعكس، أحيانًا في بعض المجالات قد تجد أن كثيرًا من الناس والعياذ بالله وقعوا في ذنوب أكثر مما وقع فيه غيرهم، ولو أردت أن تحسب من حيث الكمية والعدد؛ لوجدت ما عندنا من المؤسسات والأجهزة والمنكرات أضعاف أضعاف ما يوجد في بلاد أخرى كثيرة، فليس صحيحًا أن تتكلم عن غيرك وتظن أنك بمنجاة من هذا الأمر، كلا، بل ينبغي أن نتحدث عن المصيبة على أنها مصيبة نزلت بنا جميعًا، وعلى أن هذا الدرس لنا جميعًا، وأننا يجب أن نتوب إلى الله تعالى ونقلع، حتى يرفع الله تبارك وتعالى عنا ما أصابنا، ويكبت عنا عدونا، ونقول كما قال موسى عليه الصلاة والسلام: {عَسَى رَبُّكُمْ أن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف:129] .
وفي الختام: هذه الأسئلة التي أمامي، تتحدث عن ظاهرة هي أثر من آثار الرعب والفزع، وقلة التوكل الذي في قلوب الناس، حيث أصبحت السيارات أرتالًا وأسرابًا لشراء المواد الغذائية بكميات هائلة، وكثير من الناس سحبوا أرصدتهم أو حولوها بعملات أخرى، أو بدءوا يشترون الذهب، أو يغادرون هذه البلاد، وكل هذا لا شك ينم لا أقول عن فقدان التوكل، لكن عن ضعف التوكل، ولا حول ولا وقوة إلا بالله العلي العظيم.
اللهم أعزالإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، وترفع فيه كلمتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، يا سميع الدعاء! اللهم اجعلنا من أنصار دينك المجاهدين في سبيلك، اللهم أعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك، اللهم إنا عبيدك بنوعبيدك بنو إمائك، نواصينا بيدك، ماضٍ فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك بكل اسم هولك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تكفي المسلمين شر هذه الأحداث والفتن، في أنفسهم وأموالهم ودينهم وبلادهم، إنك قريب سميع مجيب.
اللهم اكفنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم اكفنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم احيي بلادك ودينك وأهل دينك وأنصار شريعتك، اللهم انصر المسلمين في كل مكان.
اللهم يا ذا العرش المجيد! من رفع راية يريد فيها رفع راية الإسلام، وكلمة التوحيد، وإعزاز الدين، وتحكيم الشريعة؛ فانصره نصرًا مؤزرًا، واجعل التوفيق حليفه حيث كان، ومن رفع راية يريد بها هدم دينك وشريعتك، وإذلال عبادك الصالحين والتمكين للكفر في الأرض؛ فأذله وخذه أخذ عزيز مقتدر إنك على كل شيء قدير.
اللهم إنا عبيدك ضعفاء بين يديك، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك؛ فادفع عنا إنك على كل شيء قدير.
اللهم آمنا بك وتوكلنا عليك وفوضنا إليك، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.