وهذا حوار بين مدرس وطالب, ولقد رأينا في حياتنا العملية أعدادًا من المدرسين كانوا وما زالوا يعيشون مع هؤلاء الصبية الصغار في المدارس, ويصبرون عليهم, ويتحملون عناءهم, ويلطفون بهم, ويرقونهم في مدارج الكمال بإذن الله, حتى تخرجت على أيديهم عشرات الأجيال, وليس غريبًا أن تجد اليوم مدرسًا قضى في ميادين التدريس ما يزيد على ثلاثين أو أربعين سنة, في المرحلة الابتدائية, فأي جهد عظيم هذا؟! إن هذا المدرس يقول بلسان حاله أو مقاله: حنانيك إني قد بليت بصبيةٍ أروح وأغدو كل يوم عليهم صغار نربيهم بملء عقولهم ونبنيهم لكننا نتهدم فمن كان يرثي قلبه لمعذب فأجدر شخص بالرثاء المعلم على كتفيه يبلغ المجد غيره فما هو إلا للتسلق سلم نعم، إنك تجد الكثير يتمدحون في أحاديثهم بأن فلانًا العالم أو الوزير أو المشير, قد تخرج من بين أيديهم, بينما هم لا يزالون قيد عملهم السابق, وهذا عمل كبير, وجهد عظيم, إذا قارنه الإخلاص لله تعالى باحتساب, فليبشر هؤلاء -بإذن الله- بأجر المرابط في سبيل الله.
أما الطالب، وأعني ذلك الطالب الذي أنقل لكم حواره, فلقد شطح به القول فتصور حادثة فردية ندت من مدرس لا يقام له وزن, أو ظاهرة محدودة ربما واجهها في جو معين خاص, فعمم هذه الحادثة ووسعها ونظر إلى المدرسين كلهم من خلالها, فقال في حديث شعري يخاطب أباه, وبعث إليّ الأخ الكريم يوسف بن عبد الله يقول: أبتاه هل من لحظة لشكايتي من ساقط متهور متمردِ هذا معلمنا الذي لا يرعوي عن غيه بلسانه أو باليدِ أبتاه كيف نطيعه؟ ويقودنا نحو الأماني وعينه في الأمردِ!! بل كيف يُرْشِدُ غيره ويدله وأنا أراه بحاجة للمرشدِ يعصي الإله مجاهرًا ومعاندًا كيف الهدى من مذنبٍ لا يهتدِي؟! النشء يأمل قدوةً ومربيًا أتراه يا أبتِي بهذا يهتدي؟! قل للذي جمع الصغير مع الكبير هلاَّ بحثت عن التقي الأجودِ هلا درست بتؤدة وروية ضرر الخبيث على النقي الأحمدِ إني لأعجب كيف يصمت خيرة المسئولين عن أمر ذاك المفسدِ ويزيد من عجبي إذا ما جاءه تقديرهم لجهوده في محشدِ! قد كان يأتي والغرور يقوده متثنيًا في سيره كمقيدِ وأغضُّ من طرفي إذا قابلته خوفًا أرى بالعين سوء المشهدِ ويكاد يخنقني الدخان إذا أتى فإذا مضى فمسرتي وتنهديِ زملاؤه أبتاه في أخلاقهم ملكوا القلوب فَمُلِّكُوا ما في اليدِ أبتاه لستُ بدارسٍ ومعلمي يأبى الصلاة جماعة في المسجدِ أبتاه لست بدارس ومعلمي ينهى عن الثوب الطويل ويرتدي أبتاه لست بآمنٍ من قُربه هل يُؤمَنُ الذئب الطليقُ على الجدي؟ عفوًا أبي إن شئت يومًا أهتدي لا تُلقني كهشيمةٍ في موقدِ! إنني لست أنفي قط أن يوجد في قطاع التعليم مثل هذا الضعيف النفس, الذي حقه فعلًا أن يؤدب ويربى حتى يصلح نفسه وأهل بيته, قبل أن يؤتمن على فلذات الأكباد, ولكنني أعتقد أنها حالات قليلة, لا يجوز أن نقدمها عنوانًا ونموذجًا للمدرسين الذين هم في الأعم -إن شاء الله تعالى- من الأخيار المخلصين, نحسبهم كذلك والله تعالى حسيبهم, ولا نزكي على الله أحدًا.
وطالما أصدر بعضنا الأحكام المجملة التعميمية المبنية على أدلةٍ ناقصة, فنحن قد تعودنا إذا سمعنا شخصًا يقول: كلامًا أن نقول: الناس يقولون: كذا وكذا , وتعودنا إذا رأينا شخصًا يفعل عملًا مشينًا, أن نقول: الناس يفعلون كذا وكذا , فحولنا ما فعله فلان بعينه إلى أنه فعل الناس, وأن ما قاله ذاك الشخص الشاذ أو المنفرد, حولناه إلى أنه من قول الناس كلهم, دون أن نصدر أحكامنا الإجمالية عن دراسة وإحصاء ورويَّة, وهذا لا شك من الخطأ والظلم البين.
ثم إن هذا يذكرنا بقضية قائمة موجودة, ألا وهي أن الكثير من الطلاب يستحلون أعراض المدرسين, فما يكاد يجتمع ثلاثة أو حتى اثنان من الطلاب, إلا ووجدوا فرصتهم في الحديث عن المدرس الفلاني, في شكله وملبسه, وعن المدرس الآخر في كلمته التي يرددها, وعن الثالث عن حركات يديه, وعن رابع في طريقة جلوسه, وعن خامس عن طريقة مشيه، وهكذا يحلقون عيونهم بالمدرس أثناء الدرس ويراقبونه بدقة, ويكون فاكهة حديثهم في المجالس, بالكلام عنه بهذا الوصف أو ذاك.
ومثله -أيضًا- حديث بعض المدرسين عن أعراض الطلاب, سواء أكان ذلك في الفسح الدراسية أم في غيرها, فقد أصبح معروفًا ومألوفًا أن يتكلم عن ذاك الطالب, وما فيه من سوء الخلق, وعن آخر, وما فيه من تقصير, وعن ثالث وعن رابع , حتى في أشياء قد لا يكون ثمة ما يدعو إليها, ولا ما يوجبها, ولا يحتاج إليها في تقويم الطلاب, ولا معرفة أسلوب التعامل معهم, ولا في غير ذلك.
أما إذا كان هدفه النصيحة والتعرف على الطلاب بكيفية معاملاتهم, فهذا أمر لا بأس به, فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عرف الغيبة بقوله: {ذكرك أخاك بما يكره} وقد نهى الله عنها في القرآن, فقال: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [الحجرات:12] فلا شك أن المؤمنين إخوة, كما ذكر الله تعالى سواء كانوا كبارًا أم صغارًا, مدرسين أم طلابًا, رجالًا أم نساءً، فلا يحل لمسلم أن يقع في عرض أخيه المسلم بغير حق, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: {إن أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه المسلم} .