وفي هذا الصدد لا يفوت أحدٌ أن يُشيد بفضل الله تعالى على هذه الأمة المحمدية، فقد أخرج لها في هذه الظلمات التي تعيشها: جيل الصحوة من الشباب المؤمن المتدين، ذكورًا وإناثًا، فأصبح كل إنسان يحمد الله تعالى كل الحمد على هذه الأعداد الهائلة من الشباب التي ترتاد حلقات تحفيظ القرآن الكريم، ولو تصورت بلدًا واحدًا كهذا البلد، في بريدة ما يزيد على مائة وأربعين حلقة لتحفيظ القرآن الكريم! قد يكونُ في الحلقة الواحدة مئات من الطلاب، ما بين طلاب الثانوي والمتوسط والجامعة، والأساتذة أيضًا من الخريجين وغيرهم! كلهم يعكفون على حفظ كتاب الله تعالى من صلاة العصر إلى المغرب، وربما كان في وقتٍ ليس بالبعيد كان الإنسان -حتى من الصالحين- يثقل عليه أن يجلس في المسجد من صلاة العصر إلى المغرب، وأي إنسان يستطيع أن يتجاهل هؤلاء الشباب القيادات التي أصبحت تؤم في جميع المساجد؟ خاصةً في هذا الشهر الكريم، إن لم نقل في كل المساجد ففي جلها! شباب ربما يكونُ أحدهم في سن الخامسة عشر أو السادسة عشرة، يؤم المصلين حفظًا عن ظهر قلب في صلاة التراويح والقيامِ وغيرها، من يستطيع أن يتجاهل أولئك الشباب الذين عمّروا حلق العلم؟ وبالأمس كانت حلقة المشايخ يكون فيها عشرة أو اثنا عشر من الطلبة، أما اليوم فتأتي إلى الحلقة فتجد فيها مئات من طلبة العلم من هذه النبتات الطيبة الطاهرة التي سقيت -بحمد الله- بسقي التوحيد والإيمان؛ فأينعت وأثمرت خير ثمار! من يستطيع أن يتجاهل هذه الجموع الغفيرة من الشباب التي تؤم المساجد للصلاة في رمضان وفي غيره، حتى أصبح كثيرٌ ممن يرتادون المساجد لصلاة التراويح والقيام هم من الشباب، ذكورًا وإناثًا.
من يستطيع أن يتجاهل تلك الدماء التي زينت أرض أفغانستان؟ إنها دماء شبابٍ أطهارٍ، أبرارٍ، أتقياء من هذه البلاد ومن غيرها، رضيت بالآخرة عن الحياة الدنيا، باعت الدنيا واشترت الآخرة، ورضوا بما عند الله، فزهدوا في الدنيا، فتركوا فرش الحرير، والديباج، والنعيم، وأطايب الطعام والشراب، وذهبوا إلى هناك حيثُ الجوع، والعطش، والخوف، والتعب، يتسلقون على رؤوس الجبال، وقد صم آذانهم أزيز الطائرات، ومع ذلك كله فإنهم واثقون بالله تعالى، يتطلع أحدهم إلى الموت كما يتطلع أحدنا إلى الحياة، ولسان حاله يقول: ماضٍ وأعرف ما دربي وما هدفي والموت يرقص لي في كل مُنعطفِ وما أبالي به حتى أُحاذرَهُ فخشية الموت عندي أبرد الطرف ولا أحد -أيضًا- يستطيع أن يتجاهل -فضلًا عن هؤلاء وأولئك- جماهير غفيرة من شبابنا في المدارس والجامعات والمؤسساتِ المختلفة، ممن هم مهتدون مستقيمون بحمد الله، من رواد المساجد المحافظين على دينهم وعرضهم ومالهم، البعيدين عما حرم الله عز وجل، وهم بحمد الله كثرةٌ كاثرة! لا يحتاج الأمر الإطالة بذكرها.
وكذلك الحال بالنسبة لفتياتنا، فإنا نحمد الله تعالى كل الحمدِ، على أننا نجد أنه في هذا الوقت الذي هيمن فيه الظلام على كثيرٍ من بقاع العالم الإسلامي، إلا أن الصحوة قد أينعت خير إيناع، فلا تكاد تجد مدرسةً أو معهدًا أو جامعةً للبنات إلا وتجد فيها حلق الذكر، يجتمع فيها صفوة المدرسة: من الطالبات، والمدرسات، والمعلمات، ويتدارسن كتاب الله تعالى ويقرأنه، ويتدارسن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتواصين بالحق، ويتواصين بالصبر، حتى أصبح هذا الأمر -بحمد الله تعالى- أمرًا عاديًا مألوفًا لا يستغربه أحد، وحتى أصبحت تجد في كثيرٍ من المدارس أن كل الطالبات هن ممن ينتسبن إلى هذه الحلقات العلمية.
ومن يستطيع أن يتجاهل الحجاب الشرعي الذي أصبح موجودًا في كل مكان؟ تشاهده في المسجد وفي الشارع، وفي البيوت، وفي كل مكان؟ وأصبح كثيرٌ من الفتيات المؤمنات لا تكتفي فقط بحجاب وجهها وسائر جسدها، بل تضيف إلى ذلك أن تحجب كفيها وأن تحجب قدميها بالجوارب وغيرها، حتى إنه لا يرى منه موضع ظفر فأية نعمةٍ أعظم من هذه النعمة؟! نعم الإله على العباد كثيرةٌ وأجلهن هداية الأولادِ هذا من فيض الله، من فضل الله، من جود الله، من نعمة الله، من كرم الله عز وجل، وليس بكد أيدينا ولا بفعلنا، ومهما فعل الإنسان من الأسباب فهي قاصرة، ولكن الله تعالى بمنه وكرمه وجوده قد أراد بهذه الأمة خيرًا حين هدى شبابها وفتياتها إلى الطريق المستقيم، ولا أحد يتجاهل أعدادًا كبيرة من فتياتنا من قاصرات الطرف المقصورات في بيوتهن، فهنَّ قاصرات الطرف عما حرم الله، لا ينظرن إلى حرام، وهن مقصورات في بيوتهن لا يخرجن إلا لما لابد من الخروج إليه، هذا كله مما لا يختلف عليه اثنان، ولا يجهله منا إنسان.