السؤالهذا السؤال تردد كثيرًا يقول: إن هناك عددًا من الشباب ينالون من أعراض بعض المشايخ والعلماء، بل ربما وصل الحال والعياذ بالله ببعضهم إلى التكفير، بسبب ما صدر من فتاوى وبالذات البيان الأخير لهيئة كبار العلماء، فلا بد من بيان؟
الجوابمثل هذا الموضوع في الحقيقة موضوع طويل، ويحتاج إلى حديث خاص، لكن هذه بعض النقاط: أولًا: يجب على المؤمن أن يحسن الظن بالعلماء الذين عرفت الأمة بلاءهم، مثل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وفضيلة الشيخ محمد بن عثيمين، ومن في عيارهم، ممن عرفوا بالدعوة والعلم والفتيا، ويعرفهم الناس في مجالسهم وفي بيوتهم ودروسهم، وفي علمهم، يجب أن يحسن المسلم الظن بهؤلاء وألا يسمح لنفسه ولا لغيره أن يسيء الظن بأحد منهم أبدًا.
فإن للعالم حقًا وكرامة ومكانة يجب أن تحفظ وأن تصان بكل حال، هذه واحدة.
وأقول: إن الأمر خطير أن يصل إلى مثل هذا المستوى، فنحن نريد أن يظل هؤلاء خاصة العلماء المعروفين الذين لهم جهود ولهم نشاط، نريد أن تظل لهم مكانة عالية، وأن يكونوا جزءًا من مرجعية الناس، في دينهم، وفي فتواهم، وفي شئونهم الشرعية، وفي إزالة المنكرات التي يضيق الناس بها ذرعًا.
أما أن يؤول الأمر إلى الوقوع في أعراضهم، أو سبهم، أو شتمهم، فضلًا عن التكفير، فإن هذا شر مستطير، وينذر بخطر كبير، وإني أحذر الشباب جميعًا من مثل ذلك فليتقوا الله عز وجل، وليحفظوا أعراض هذه الأمة عن مثل ذلك.
ثانيًا: ما يتعلق بالجهات الرسمية، أو الهيئات أو غيرها، فإننا ينبغي أن نعلم أن ما تصدره لا يعدو أن يكون اجتهادًا، والاجتهاد قابل للخطأ والصواب، فهم بشر، وإن اجتهدوا فأصابوا فلهم أجران، وإن اجتهدوا فأخطئوا فلهم أجر واحد.
أما تزكية الاجتهاد وعدّه صوابًا وحقًا؛ فهذا لا يكون بحال من الأحوال، بل الخطأ وارد ومحتمل من الجميع، فليس المطلوب ألا يخطئ الإنسان، وإنما المطلوب أن يجتهد الإنسان وسعه، ولا يألو، وأن يخلص للوصول إلى الحق، فحينئذ أصاب أم أخطأ فهو في كل حال قد وافق ما هو مأمور به من الاجتهاد، وإن أخطأ في اجتهاد خاص.
ثالثًا: يتحدث بعضهم ويقولون لا نعلم من تاريخ هيئة كبار العلماء إلا ثلاثة أمور؛ أولها: إدانة للوثيقة الشهيرة، وثانيها: استنكار للنصيحة، وثالثها: رفض اللجنة.
وأقول: هذه الأشياء الثلاثة صدرت من الإخوة الشيوخ في هيئة كبار العلماء، ولا شك، وهي صدرت في ظروف خاصة، ووفق معطيات معينة، فلماذا لا ندع هذا الأمر جانبًا، ونعد أن اجتهاد هيئة كبار العلماء اجتهاد، وأن اجتهاد غيرهم اجتهاد، فالوثيقة السابقة وقعها أكثر من أربعمائة، والنصيحة وقعها نحو هذا العدد، واللجنة وقعها ستة من العلماء، أو كثير منهم من العلماء الشرعيين، وبعضهم من أساتذة الجامعات، وأيدها جمع كبير أيضًا من طلبة العلم في الداخل والخارج أيضًا.
فهذا اجتهاد ويقابله الاجتهاد الآخر، ولا داعي لأن نضرب هذا بذاك، أو أن نجعل هؤلاء خصومًا لأولئك، بل هم جميعًا إخوة، ونرجو أن يكون الجميع مجتهدين وإن كنا لا نضمن تزكية النيات دائمًا وأبدًا، فإن الله عز وجل يقول عن أفضل البشر بعد الأنبياء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} [آل عمران:152] .
لكن لا داعي لأن ندخل في النيات، أو نفسر مثل هذه المواقف، أو نقول: إنها نتيجة ضغوط، نترك هذه الأمور ولا داعي للحديث عنها، ونعد أن ذلك اجتهاد وذاك اجتهاد، الأمر الذي ساءنا جميعًا هو أن تستغل تلك الفتوى أو ذلك البيان في مثل هذه الإجراءات الإدارية التي نزلت على مثل هؤلاء الدعاة.
وكما أسلفت، فالوظيفة لا تنفعهم، وفقدها لا يضرهم، وهي بالنسبة لهم لا تقدم ولا تؤخر، فكثير منهم أساتذة، بل في رتبة بروفيسور، وهو يستطيع أن يجد عملًا في أي جامعة في العالم، ويجد عملًا في هذا المكان، وربما كان خلاصه من هذه الوظيفة خيرًا من كثير من الوجوه، لكن مجرد الاعتبار أن الفصل نوع من التأديب والزجر وإعلان ذلك في وسائل الإعلان، هذا له سلبيات كثيرة.
ثم أمر آخر ساءنا جميعًا ولا شك، الإمام سماحة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين، وأنا أدعو الإخوة إلى أن لا يسموه بعد اليوم إلا بهذا الاسم.
فلنعلم أن الولاية الشرعية ليست كالولاية الدنيوية، يطرأ عليها العزل والفصل والإبعاد والطرد، الولاية الشرعية غير قابلة للعزل، فهي ولاية استمدها من الكتاب والسنة، وهي في أعماق قلوب المؤمنين جميعًا، تهش إليه بالحب والفرح والرضا والدعاء له، فسماحة الإمام عبد الله بن جبرين، أمس كانت وسائل الإعلام تسميه فضيلة الشيخ الدكتور وتنقل فتاواه وبكثير من الحفاوة، فما باله اليوم صار لا فضيلة ولا شيخ ولا دكتور ولا حتى أخ، إنما صار عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين.
نعوذ بالله من تجاهل الحقائق، فهؤلاء الدكاترة أخذوا شهادات عليا، دكتور أو أستاذ، أو بروفيسور، أخذها بكد يمينه وعقله وعرقه، لماذا لا نسميه بهذا الاسم ولو فصلناه؟! هذا حق، ينبغي أن يكون غضبي ورضاي ألتزم فيهما بالقسط والعدل والبعد عن الظلم أو الجور أو الحيد.
ونعوذ بالله أن نكون مثل أولئك القوم الذين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: {أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، قال: أرأيتم إن أسلم؟! فقالوا: نعيذه بالله من ذلك!! فخرج عبد الله بن سلام يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، قالوا: شرنا وابن شرنا} .
فلم يكن بين تزكيته وذمه إلا بضع دقائق، نعم، هذا من سيما أهل الكتاب الذين غيروا وبدلوا، أن يصبح مدحهم وقدحهم مرتبطًا بآرائهم الشخصية، ومواقفهم الذاتية، أما نحن أهل الإسلام وأهل الإيمان فحق علينا ألا نتأثر بذلك، وأن نثني على الإنسان ولو خالفناه الرأي، وأن نعطيه حقه، ولو اختلفنا معه، فإن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، كما يقال.