أولها: أسماء المخترعين الكبار، ليس من بينهم من يسمى محمد، أو أحمد، أو علي، أو صالح، أو سليمان، والعلم -كما يقال- ليس له وطن صحيح، لكن العجيب من قوم دينهم يحث على العلم، ويقرر الله عز وجل لهم في كتابه، أنه سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه، ثم تكون قصاراهم أن يكون بلدهم، أو تكون بلادهم سوقًا للبضاعة الأجنبية، بل حتى استخدام التقنية لم ينجحوا فيها بما فيه الكفاية! فلا غرابة إذا انفصل العلم عن الدين والخلق، أن يصبح العلم لعنة تدمر الإنسان وتأتي على حياته القنابل الهيدروجينية، والنووية، والأسلحة الكيماوية والجرثومية؛ تدمر الإنسان وتحافظ على المنشآت فقد أصبحت المباني الشاهقة والقصور والمصانع، أغلى وأنفس من الإنسان، فاخترع الإنسان سلاحًا يدمر أخاه الإنسان، ويبقي على المنشآت دون أن يمسها بأذى! ولا غرابة إذًا أن يحاول الإنسان اكتشاف الكواكب، على حين لم يفلح في تحقيق السعادة لنفسه، ولا لأخيه الإنسان على وجه الأرض، فالملايين يتضورون جوعًا، وقبل ما يزيد على عشرين سنة، صرخ شاعرٌ من شعراء الشام، يقال له: شفيق جبري، محتجًا على ما يسمونه بغزو الكواكب، غزو الفضاء، فقال ضمن قصيدة طويلة عنوانها غزو الكواكب: ما للغزاة على الأفلاك تزدحم أجرهم أمل أم غرهم حلم أضاقت الأرض عن آثام إثمهم ألم يروا كم جنوا فيها وكم أثموا يا راكب الريح تطويه وتنشره كأنه كرة تلهو بها قدم ما أنت والقبة الزرقاء تقحمها أما على جنبات الأرض مقتحم أي أنه يقول: هناك لا يوجد بشر تعتدي عليهم وتظلمهم إذا طاب لك الطغيان والظم.
أتعبت فكرك ما في جوفها نسم تعدو عليها إذا طابت لك النسم لا العشب ينظر في آفاق تربتها ولا البحار عليها الموج يلتطم ما تسمع الأذن حسًّا في مسارحها ولا ترى العين ما يجري به القلم لا الجن في جوفها يعلو عزيفهم إذا سجى الليل أو ماجت به الظلم ولا على الإنس خوف من مصارعهم إذا تلهبت الهيجاء واصطدموا فما يجول بها وحش يروعها ولا يعيش بها ذئب ولا غنم ولا الأسود تدِّوي في مفاوزها ولا العنادل يبدي شجوها النغم كنا نعيش على وهم يخامرنا والناس في غبطة الأيام ما وهموا لو قلت للقبح أنت الحسن أجمعه لراح من قولك الخلاب يبتسم دنيا الحقائق ما تنفك مؤلمة فكم تمادى على أفيائها الألم لا تحسبن كمال الحسن في قمرٍ غنى به الشعر وازدانت به الكلم فما على أرضه غير التراب ولا على الأهاضيب غير الصخر ينحطم خابت ظنونك أين الحسن تطلبه فليس يفصح عن بدر التمام فم ما أعظم الكون من يدري مجاهله ضاعت على وجهه الأحقاب والأمم هل أدركت هده من سره طرفًا أليس تفنى على أطرافه الهمم غابت عن العين أفلاك مبعثرة تضنها العين فوضى ليس تنتظم لكنها إن نأت عنها وإن شمخت فما تظل على أجوازها النجم بئس العلوم إذا الإهلاك مطمحها فليت من علموا في الخلق ماعلموا متى نرى الخلق في سلطان دولتها تمضي الليالي وقد لذوا وقد نعموا أغاية العلم أن نفنى بمخترع من الصواريخ في نيرانها العدم فكم أزاحوا رجالًا عن ديارهم فهل حوتهم على جنح الدجى الخيم وكم أبادوا شعوبًا في مرابعهم فسل مناهجهم في العلم هل رحموا بردٌ وجوعٌ فكل العمر في سقم فما الحياة إذا أودى بها السقم أينفق المال في الأفلاك في سعة والناس في البؤس لا نعمى ولا نعم ضاقت قلاعهم في الأرض فالتمسوا لهم قلاعًا عن الأنظار تكتتم كي يصبحوا بأمانٍ في فضائهم فلا يبالون بما هدوا وما هدموا أيزعمون سبيل العلم وجهتهم أما لهم وجهة غير التي زعموا غزو الكواكب كشف العلم ظاهره والله يعلم ما أخفوا وما كتموا إذًا: العلم لا غرابة أن يكون دمارًا ووبالًا على الإنسان، وأن يضل طريقه إذا انفصل عن الدين الذي بعث به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هداية للبشرية كلها! حتى المسلمون اليوم تجد أن أنظارهم كثيرًا ما تتجه نحو الصناعات التسليحية، دون الصناعات التي تساهم في تيسير حياة الإنسان.
كثيرة هي الدول من العالم الإسلامي، أو ما يسمى بالعالم الثالث، التي تتجه -مثلًا- لامتلاك السلاح النووي، أو الجرثومي، أو الكيماوي، لكنها لا تتجه بالحماس نفسه، لتطوير الصناعات الأخرى المفيدة في حال السلم وامتلاكها، حتى الأسماء، لم يفلح المسلمون في اختراع أسماء عربية لهذه المخترعات الغربية، اللهم إلا في مجال التسليح، وعلى نطاق ضيق، فكلنا نعرف -مثلًا- اسم السلاح الذي استخدمه العراق، وسماه صواريخ الحسين، أو صواريخ العباس، لكن الأكثرين منا إذا أرادوا أن يعبروا عن الهاتف، فإنهم يقولون: التليفون، ولا يستخدمون ذلك الاسم العربي الفصيح الصحيح (الهاتف) أو كما يسميه بعضهم (المسرة) وذلك لانفصال العلم عن الدين والإسلام، وبُعد المسلمين عن القيام بمثل هذه الأمور.