السبب الثالث: ألا يثبت عنده هذا الدليل؛ كأن يكون -مثلًا- سمع بهذا الحديث، لكن لم يثبت لديه، ونحن نعرف أن العلماء يختلفون في إثبات الأحاديث، فقد يضعف عالم حديثًا ويصححه آخر، وهذا كثير جدًا، فعلماء الحديث، وعلماء الجرح والتعديل، يوجد بينهم من الاختلاف والاتفاق مثل ما يوجد بين غيرهم من العلماء، ولذلك قد يصحح إمام ما حديثًا ويقول به، ويضعفه إمام آخر، فيكون الإمام الذي ضعف الحديث معذورًا بعدم العمل بهذا الحديث، لأنه ما صح عنده، وهذا من أعظم أسباب الاختلاف.
ولذلك -أيضًا- نجد أن من العلماء من يقول بحديث، ثم يتبين له ضعفه فيترك القول به، وأضرب لذلك أمثلة بالإمام أحمد: كان الإمام أحمد رحمه الله يقول بمضمون حديث عبد الله بن عكيم: {لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب} فكان الإمام أحمد يذهب إلى أنه لا يجوز الانتفاع بجلود الميتة، لا قبل الدبغ ولا بعد الدبغ، أخذًا بهذا الحديث، فلما رأى اضطراب الرواة في هذا الحديث، واختلافهم فيه، ترك هذا الحديث، وذهب إلى غيره.
وكذلك نقل عنه في مسألة الوضوء من مس الذكر؛ والأمثلة كثيرة جدًا، المهم أن الفقيه قد لا يثبت عنده الحديث فلا يقول به، فهذا من أسباب الاختلاف.