فهرس الكتاب

الصفحة 4435 من 10422

الحل الرابع: هو أن يدرك الإنسان أن تشديده على نفسه، وهضمه لحقوقها، وجوره عليها؛ قد يؤدي به إلى حالة من الكبت والملل من العبادة، ربما تصل في النهاية والعياذ بالله إلى الانحراف والانتكاس.

وما أشرت إليه من أن الإنسان إذا هضم حقوق النفس الطبيعية البشرية التي خلق وفطر عليها، وجار على نفسه وشدد عليها، وأن هذا قد يؤدي به إلى حالة من الكبت والملل في العبادة وربما تصل في النهاية إلى الانحراف والانتكاس، وهذا هو الخطر الثاني الذي أحب أن أحذر منه.

فالخطر الأول الذي انتهينا منه: هو أن يكون عند الإنسان ارتداد فعل لما سبق، فيغلو أو يزيد في العبادة والدين.

والخطر الثاني: هو أن الإنسان قد ينتكس ويرتكس ولو بعد حين إلى الحال التي فارقها، فيعود إلى الانحراف من جديد لسبب أو لآخر.

ومن الأسباب المرصودة التي يمكن أن يلحظها كل واحد منكم: أن الانحراف قد يكون بسبب ما ذكرت أولًا، من تنكر الإنسان لفطرته وجبلته التي لا تلبث أن تتمرد وتنتفض وتثور؛ فيرجع الإنسان إلى صورة من الانحراف، قد تكون أعنف مما ترك قبل.

والسبب الثاني: هو الفراغ، فالشاب الذي يكون قد اهتدى إلى هجر المجالس السيئة والمخالطات والأعمال والمجالات التي كان يشغل وقته بها، وكانت تستغرق كل طاقاته ومواهبه، بعد أن ترك هذه الفرص ربما لا يجد من المجالات الخيرية بنفس القوة ما يعوضه ويشغل وقته ويصرف طاقاته إليه، فيترتب على هذا الفراغ ولو بعد فترة، نوع من الحنين إلى الماضي، وإلى بعض الأعمال المنحرفة التي ألفها وتعود عليها، فيشتد ذلك حتى ينتكس الإنسان ويرتكس والعياذ بالله، وهذا خطر، وقد تلاحظون وجود بعض الناس -ولو كانوا قليلًا، ولكن حتى هذا القليل يجب أن نعالجه- قد يعاودون بعض ما كانوا عليه وإن تركوه لفترة من الفترات، فمن العلاج المفيد: أولًا: إنه يجب على الصالحين والمستقيمين أصلًا تهيئة الفرص المتنوعة التي تستوعب هؤلاء الطيبين المهتدين وتشغل وقتهم، كالدروس والمحاضرات والمراكز وإقامة الصداقات والعلاقات وغيرها.

ثانيًا: إن هذا القلب التائب يجب أن يرتبط بعدد كبير من القلوب بالحب، والحب هو الرباط الذي يظل ملحًا على الإنسان ويقاوم جميع التحديات، فإذا ارتبط قلب التائب الراجع إلى الله بقلوب عدد من الصالحين بالمحبة، فهذا الارتباط قضاء مبرم على الفراغ، لأنه يشعر باستمرار أن قلبه مشغول بمحبتهم، إن رآهم فرح بهم، وإن غابوا عنه حن إليهم، بحيث يصعب بكل حال أن يفك هذا الارتباط.

ثالثًا: إنه يجب على التائب أن يكثر من عمل الصالحات في حدود ما تطيق نفسه، دون أن يؤدي ذلك إلى كلال نفسه ومللها، ولذلك قال الله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان:70] .

فقال العلماء في معنى هذه الآية قولين كلاهما يتعلق بالنقطة التي أتحدث عنها.

القول الأول: إن من تاب وأقلع عن المعاصي وحسن إسلامه -وهذا الشرط- وعمل الصالحات قلب الله سيئاته في صحيفته حسنات، وهذا المعنى صحيح، وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولًا فيها، يؤتى برجل فيقول الله لملائكته: نحوا عنه كبار ذنوبه واعرضوا عليه صغاره، فيقولون له: عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فيذكرون له ذنوبه الصغيرة، وهو خائف منها مشفق وجل، فإذا انتهوا مما عنده من الصغائر.

قال الله عز وجل: إنني أقلبها لك حسنات، فيفرح هذا الإنسان ويقول: يا رب عملت ذنوبًا لا أراها هاهنا .

فانظر إلى طبيعتك الطماعة -أيها الإنسان- حتى في هذا الموقف العجيب، فعندما كانت الذنوب ضده وليست في صالحه كان ساكتًا عنها، وبطبيعة الحال لا يذكر بها، والله عز وجل أعلم وهو يعلم أن الله أعلم، لكن طبيعة الإنسان لا تغادره ولا تفارقه، فهو ساكت فلما قلبها الله حسنات قال: يا ربي عملت ذنوبًا لا أراها هاهنا.

ولذلك ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: {يمر بالإنسان يوم القيامة موقف يفرح فيه بسيئاته} والمقصود بالإنسان هاهنا التائب، فهذا هو المعنى الأول، وهذا المعنى يجعل الإنسان: أولًا: لا يقنط كما ذكرت في أول الحديث.

ثانيًا: يجعله يحسن إسلامه ويكثر من عمل الصالحات؛ لأن ظاهر الآية وظاهر الحديث مقيد بحسن الإسلام وعمل الصالحات، أما من أسلم وآمن ولم يحسن إسلامه، ولم يعمل الصالحات، فظواهر النصوص على أن سيئاته تمحى عنه ولا تقلب حسنات كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا أسلم العبد فحسن إسلامه، محا الله عنه كل سيئة} وروى البخاري الحديث معلقًا عن مالك بن أنس رضي الله عنه، ولم يشر فيه إلى هذا المعنى.

إذًا الشرط هو أن يحسن العبدُ الإسلام.

المعنى الثاني للآية: هو أن الله يبدل السيئات حسنات، بمعنى أن الإنسان بدلًا من أنه كان يعمل السيئات أصبح يعمل الحسنات، فيبدله الله بالشرك إخلاصًا، وبالفجور إحصانًا وعفافًا، وبعمل السيئات عمل الطاعات والقربات، وهذا المعنى يدعو الإنسان إلى أن يعوض عن كل عمل سيء عمله بعمل صالح، وأن لا يكون كما قيل: جبارًا في الجاهلية خوارًا في الإسلام.

كما إنني أحب أن أنبه بمناسبة عمل الصالحات، إلى أن الإنسان له خط بياني، فهو يرفع أحيانًا ويهبط أحيانًا، فالإنسان ليس ملكًا: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء:20] فالإنسان بشر، ولذلك يجد الإنسان من نفسه أحيانًا نشاطًا إلى العبادة وإقبالًا عليها، ويجد في أحيان أخرى في نفسه نوعًا من الفتور وبرود الهمة، فيجب على الإنسان في هذا الموقف أن يتذكر ما رواه الإمام أحمد رحمه الله في مسنده من قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث طويل لـ عبد الله بن عمرو بن العاص: {إن لكل عابد شرة، ولكل شرة فترة، فإما إلى سنة وإما إلى بدعة، فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى بدعة فقد هلك} .

إذًا: يجب أن يكون الإنسان في ارتقائه أو ضعفه حد أدنى لا ينزل عنه ولا يقبل لنفسه أن تنحط عنه هذه المرتبة، وهذه هي القضية الثانية التي أشرت إليها، وهي الخطر على التائبين من وجهين: إما أن يغلو فيزيد، وإما أن يشعر بالفراغ أو غيره من الملل فيؤدي بهم ذلك إلى الانتكاس والارتكاس والرجوع إلى حالهم السابق.

وأختم الحديث بالقضية الثالثة: وأختصر الحديث فيها، وقد أحببت أن أعرض الموضوع كاملًا وإن كنت أشعر أنني أطلت بذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت