ولذلك فإن هذا الإنسان في هذه الدار إنما هو فقير بطبعه، كما قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [فاطر:17] فالإنسان فقير مهما يكن جمع من الأموال ومهما يكن له من الأولاد، ومهما يكن له من السلطان؛ فهو فقير لأن المال يزول، والولد يموت، والسلطان يزول، ويبقى الإنسان ضعيفًا محتاجًا، وحتى مع بقاء المال والجاه والسلطان والولد يبقى الإنسان فقيرًا محتاجًا إلى الله عز وجل.
وأنتم تعرفون في حياتكم العملية كثيرًا من الناس حتى مع غناهم ومع سلطانهم ومع كثرة أموالهم وأولادهم تجدونهم يصابون -مثلًا- بالقلق النفسي أو بغيره من الأمراض فتتحول حياتهم إلى جحيم لا يطاق، ويتمنى الواحد منهم أن يتخلى عن كل ما يملك في سبيل تحصيل السعادة التي فقدها، وهذا يبين لك أن الغنى ليس في المال والولد وغيره، وإنما الغنى في القلب، وأن العبد فقير في جميع الأحوال محتاج إلى الله عز وجل ثم هو مع هذا كله؛ حتى ولو فرض بقاء المال والولد والسلطان وحتى لو فرض وجود السعادة في قلبه؛ هو فقيرٌ في هذه الحال، ولا أدل على فقره من أنه يبقى خائفًا من هذا الموت المحتوم المقدور عليه، فهو يترقبه بكرة وعشيًا، وهذا الموت هو سلطان جعله الله على رقبة كل مخلوق حتى الرسل والملائكة، فجميع المخلوقين يموتون ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
ولذلك فالإنسان يحس دائمًا وأبدًا بالخوف والقلق من هذه الأعراض التي تنهشه أو تتناوشه، ثم من هذا الموت الذي لا بد له منه، ولذلك روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: {أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطًا مربعًا، وخط في وسطه خطًا خارجًا منه، وخط خطوطًا صغارًا إلى هذا الخط الطويل من جهته التي في الوسط -في وسط المربع- ثم قال صلى الله عليه وسلم: هذا الإنسان -هذا الخط الطويل الخارج من المربع هو الإنسان- وهذا أجله محيط به، وهذه الخطط الصغار هي الأعراض، إن أخطأه هذا نهشه هذا} .
إذًا: فالإنسان معرض لهذه الأعراض من الأمراض والمصائب والنكبات والفقر وغيرها؛ فإن سلم من هذا أصابه هذا ولابد، لأن الدنيا دار أقدار، ولا بد فيها من المصائب لكل إنسان، ثم بعد هذه الأعراض كلها يأتي هذا الموت الذي يقطع على الإنسان آماله وطموحاته وتطلعاته.
هذا هو الإنسان، وإذا كنا جميعًا ندرك حقيقة هذا الأمر وحقيقة هذه الدنيا، فإننا نجد كثيرًا من الناس، بل أكثرهم يعيشون دنياهم في خوفٍ وقلق، فلو نظرنا -مثلًا- إلى غير المسلمين بكافة أنواعهم لوجدنا أنهم يعيشون في حالة خوفٍ دائم لا يهنأ لهم ضمير ولا يرتاح لهم بال؛ خوفًا من هذه المصائب والكوارث، ثم خوفًا من هذا الموت الذي يدركون أنه ملاقيهم لا محالة.
ولذلك تجدون الكافرين يشعرون بأن هذا الكون كله عدوٌ لهم، وهم حين يتجهون فيه إلى العلم الذي يكتشفون فيه أسرار الكون؛ يتجهون من منطلق شعورهم بأن هذا الكون عدوٌ لهم فيحاولون اكتشافه، ويسمون هذه الاكتشافات قهرًا للطبيعة؛ لأنهم يظنون ويدركون أن الطبيعة عدو لهم.
أما المؤمن فإنه يدرك مع هذا الخوف الذي يصيب قلبه ويعرض له أحيانًا أن الملجأ من الله عز وجل هو إليه؛ كما قال الله عز وجل في شأن الثلاثة الذين خلفوا: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ} [التوبة:118] ويقول سبحانه: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) [الذاريات:50] .
فالإنسان إذا خاف من شيء فر منه، إلا المسلم فإنه إذا خاف من الله عز وجل فر إليه، ولذلك يخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن العبد الذي يخاف من المصائب، ويخاف من الأمراض، ويخاف من الأعراض، ويخاف من الموت، ويخاف مما بعد الموت، وما بعد الموت أشد من الموت وإن كان الموت أشد مما قبله، المؤمن الذي يخاف من ذلك كله لا مهرب له ولا مفر إلا عبر طريق واحد؛ وهو أن يتعرف إلى الله عز وجل في حال الرخاء ليعرفه الله عز وجل في حال الشدة.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في النصيحة التي وجهها لحبر الأمة عبد الله بن عباس كما يرويها ابن عباس نفسه رضي الله عنه يقول: {كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك -وفي رواية تجده أمامك- تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف} رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، ورواه الإمام أحمد في مسنده.